تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور — صفحة 111

مساهمون:

ص١١١
تأخيره ؛ لأنه يعطي من المعنى أن إيابهم ليس إلا إلى الله ، المقتدر على الانتقام . وأن حسابهم ليس إلا عليه ، وذلك بخلاف ما لو قال : ( إن إيابهم إلينا ثم إن حسابهم علينا ) لأن قوله ( إن إلينا إيابهم ) لا يحتمل أن يكون الإياب فيه إلى غير الله ؛ لأنه صدر الكلام بالظرف ، وإذا قال ( إن إيابهم إلينا ) يحتمل أن يظن المخاطب عند سماعه ( إن إيابهم ) قبل قوله ( إلينا ) أن يكون الإياب إلى غيره . ومن هذا الجنس قوله تعالى ( يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ) فإن الله قدم الظرفين في قوله ( له الملك وله الحمد ) ليدل بتقديمهما على اختصاص الملك والحمد بالله لا يغيره ، وكذا جاء قوله تعالى ( من كفر فعليه كفره ) . . فإن تقديم الظرف هاهنا ، أشد موقعاً من تأخيره ، وأفخم شأناً ؛ وذلك للدلالة على أن ضرر الكفر ، لا يعود إلا على الكافر ، وأنه لا يتعداه . وهذا لا يخفى على من له معرفة بعلم البيان . وأما الثاني ؛ وهو تأخير الظرف وتقديمه في النحو ، فنحو قوله تعالى : ( ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه ) فإنه إنما أخر الظرف هاهنا لأن القصد في إبلاء حرف النفي الريب ( الدلالة ) على نفي الريب عنه ، وإثبات إنه حق وصدق لا باطل وكذب ، كما كان المشركون يدعونه . ولو أولاه الظرف ، لقصد أن كتاباً آخر فيه الريب لا فيه ، كما قصد في قوله تعالى : ( لا فيها غول ) وذلك تفضيل لخمر الجنة على خمور الدنيا ؛ بأنها لا تغتال العقول كما تغتالها الدنيوية ؛ كأنه قال ( ليس فيها ما في غيرها من هذا العيب والنقيصة ) . فتأخير الظرف في قوله تعالى ( ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه ) يقتضي النفي أصلا من غير تفضيل ، وتقديم الظرف في قوله تعالى ( لا فيها غول ) يقتضي تفضيل المنفي عنه ، وهو خمر الجنة ، على غيرها من خمور الدنيا . وهذا مثل قولنا ( لا عيب في الدار ) وقولنا ( لا فيها