تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجة الله البالغة — صفحة 254

مساهمون:

ص٢٥٤
( بَاب الْفرق بَين أهل الحَدِيث وَأَصْحَاب الرَّأْي ) اعْلَم أَنه كَانَ من الْعلمَاء فِي عصر سعيد بن الْمسيب وَإِبْرَاهِيم وَالزهْرِيّ ، وَفِي عصر مَالك وسُفْيَان ، وَبعد ذَلِك - قوم يكْرهُونَ الْخَوْض بِالرَّأْيِ ، ويهابون الْفتيا والاستنباط إِلَّا لضَرُورَة لَا يَجدونَ مِنْهَا بدا ، وَكَانَ أكبر هَمهمْ رِوَايَة حَدِيث رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، سُئِلَ عبد الله بن مَسْعُود عَن شَيْء ، فَقَالَ : إِنِّي لأكْره أَن أحل لَك شَيْئا حرمه الله عَلَيْك ، أَو أحرم مَا أحله الله لَك . وَقَالَ معَاذ بن جبل : يَا أَيهَا النَّاس ، لَا تعجلوا بالبلاء قبل نُزُوله ، فَإِنَّهُ لم يَنْفَكّ الْمُسلمُونَ أَن يكون فيهم من إِذا سُئِلَ سرد ، وَرُوِيَ نَحْو ذَلِك عَن عمر وَعلي وَابْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود فِي كَرَاهَة التَّكَلُّم فِيمَا لم ينزل . وَقَالَ ابْن عمر لجَابِر بن زيد : إِنَّك من فُقَهَاء الْبَصْرَة ، فَلَا تفت إِلَّا بقرآن نَاطِق أَو سنة مَاضِيَة ، فَإنَّك إِن فعلت غير ذَلِك هَلَكت ، وأهلكت وَقَالَ أَبُو النَّصْر - لما قدم أَبُو سَلمَة الْبَصْرَة - أَتَيْته أَنا وَالْحسن فَقَالَ لِلْحسنِ : أَنْت الْحسن ؟ مَا كَانَ أحد بِالْبَصْرَةِ أحب إِلَى لِقَاء مِنْك ، وَذَلِكَ أَنه بَلغنِي أَنَّك تُفْتِي بِرَأْيِك ، فَلَا تفت بِرَأْيِك إِلَّا أَن يكون سنة عَن رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَو كتاب منزل . وَقَالَ ابْن الْمُنْكَدر : إِن الْعَالم يدْخل فِيمَا بَين الله وَبَين عباده ، فليطلب لنَفسِهِ الْمخْرج . وَسُئِلَ الشّعبِيّ . كَيفَ كُنْتُم تَصْنَعُونَ إِذا سئلتم ؟ قَالَ : على الْخَبِير وَقعت كَانَ إِذا سُئِلَ الرجل قَالَ لصَاحبه : أفتهم ، فَلَا يزَال حَتَّى يرجع إِلَى الأول ، وَقَالَ الشّعبِيّ : مَا حدثوك هَؤُلَاءِ عَن رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخذ بِهِ ، وَمَا قَالُوهُ برأيهم ، فألقه فِي الحش أخرج هَذِه الْآثَار عَن آخرهَا الدَّارمِيّ ، فَوَقع شيوع تدوين الحَدِيث والأثر فِي بلدان الْإِسْلَام ، وَكِتَابَة الصُّحُف والنسخ حَتَّى قل من يكون أهل الرِّوَايَة إِلَّا كَانَ لَهُ تدوين أَو صحيفَة أَو نُسْخَة من حَاجتهم لموقع عَظِيم ، فَطَافَ من أدْرك من عظمائهم ذَلِك الزَّمَان بِلَاد الْحجاز وَالشَّام وَالْعراق ، ومصر واليمن وخراسان ، وجمعوا الْكتب ، وتتبعوا النّسخ ، وأمعنوا فِي التفحص عَن غَرِيب الحَدِيث ونوادر الْأَثر ، فَاجْتمع باهتمام أُولَئِكَ من الحَدِيث والْآثَار مَا لم يجْتَمع لأحد قبلهم ، وتيسر لَهُم مَا لم يَتَيَسَّر لأحد قبلهم ، وخلص إِلَيْهِم من طرق الْأَحَادِيث شَيْء كثير حَتَّى كَانَ يكثر من الْأَحَادِيث عِنْدهم مائَة طَرِيق فَمَا فَوْقهَا ، فكشف بعض الطّرق مَا استتر فِي بَعْضهَا الآخر ، وَعرفُوا مَحل كل حَدِيث من الغرابة والاستفاضة ، وَأمكن لَهُم النّظر فِي المتابعات والشواهد ، وَظهر عَلَيْهِم أَحَادِيث صَحِيحَة كَثِيرَة لم تظهر على أهل الْفَتْوَى من قبل . قَالَ الشَّافِعِي لِأَحْمَد : أَنْتُم أعلم بالأخبار الصَّحِيحَة منا ، فَإِذا كَانَ خبر صَحِيح ، فأعلموني حَتَّى أذهب إِلَيْهِ كوفيا كَانَ أَو بصريا أَو شاميا ، حَكَاهُ ابْن الْهمام ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ كم من حَدِيث صَحِيح لَا يرويهِ إِلَّا أهل بلد خَاصَّة كأفراد الشاميين والعراقيين أَو أهل بَيت خَاصَّة كنسخة بريد عَن أبي بردة عَن أبي مُوسَى ، ونسخة عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه