إِذا بينوا الْعلَّة القادحة . مِثَاله حَدِيث الْقلَّتَيْنِ فَإِنَّهُ حَدِيث صَحِيح روى بطرق كَثِيرَة معظمها ترجع إِلَى أبي الْوَلِيد بن كثير . عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر بن الزبير عَن عبد الله - أَو مُحَمَّد بن عباد بن جَعْفَر - عَن عبيد الله بن عبد الله كِلَاهُمَا عَن ابْن عمر ، ثمَّ تشعبت الطّرق بعد ذَلِك ؛ وَهَذَانِ وَإِن كَانَا من الثِّقَات لكنهما لَيْسَ مِمَّن وسد إِلَيْهِم الْفَتْوَى ، وعول النَّاس عَلَيْهِم ، فَلم يظْهر الحَدِيث فِي عصر سعيد بن الْمسيب وَلَا فِي عصر الزُّهْرِيّ ، وَلم يمش عَلَيْهِ الْمَالِكِيَّة وَلَا الْحَنَفِيَّة ، فَلم يعملوا بِهِ ، وَعمل بِهِ الشَّافِعِي ، وكحديث - خِيَار الْمجْلس - فإنه حَدِيث صَحِيح رُوِيَ بطرق كَثِيرَة ، وَعمل بِهِ ابْن عمر وَأَبُو هُرَيْرَة من الصَّحَابَة ، وَلم يظْهر على الْفُقَهَاء السَّبْعَة ومعاصريهم ، فَلم يَكُونُوا يَقُولُونَ بِهِ ، فَرَأى مَالك وَأَبُو حنيفَة هَذِه عِلّة قادحة فِي الحَدِيث ، وَعمل بِهِ الشَّافِعِي .
وَمِنْهَا أَن أَقْوَال الصَّحَابَة جمعت فِي عصر الشَّافِعِي ، فتكثرت ، وَاخْتلف وتشعبت ، وَرَأى كثيرا مِنْهَا يُخَالف الحَدِيث الصَّحِيح حَيْثُ لم يبلغهم ، وَرَأى
السّلف لم يزَالُوا يرجعُونَ فِي مثل ذَلِك إِلَى الحَدِيث ، فَترك التَّمَسُّك بأقوالهم مَا لم يتفقوا ، وَقَالَ : هم رجال وَنحن رجال .
وَمِنْهَا أَنه رأى قوما من الْفُقَهَاء يخلطون الرَّأْي الَّذِي لم يسوغه الشَّرْع بِالْقِيَاسِ الَّذِي أثْبته ، فَلَا يميزون وَاحِد مِنْهَا من الآخر ، ويسمونه تَارَة بالاستحسان - وأعني بِالرَّأْيِ أَن ينصب مَظَنَّة حرج أَو مصلحَة عِلّة لحكم وَإِنَّمَا الْقيَاس أَن تخرج الْعلَّة من الحكم الْمَنْصُوص ، ويدار عَلَيْهَا الحكم - فَأبْطل هَذَا النَّوْع أتم إبِْطَال ، وَقَالَ من أستحسن : فإنه أَرَادَ أَن يكون شَارِعا ، حَكَاهُ ابْن الْحَاجِب فِي - مُخْتَصر الْأُصُول - مِثَاله رشد الْيَتِيم أَمر خَفِي ، فأقاموا مَظَنَّة الرشد وَهُوَ بُلُوغ خمس عشْرين سنة مقَامه ، وَقَالُوا : إِذا بلغ الْيَتِيم هَذَا الْعُمر سلم إِلَيْهِ مَاله ، قَالُوا : هَذَا اسْتِحْسَان ، وَالْقِيَاس لَا يسلم إِلَيْهِ . وَبِالْجُمْلَةِ لما رأى فِي صَنِيع الْأَوَائِل مثل هَذِه الْأُمُور ، أَخذ الْفِقْه من الرَّأْس ، فَأَسَّسَ الْأُصُول ، وَفرع الْفُرُوع ، وصنف الْكتب فأجاد ، وَأفَاد ، وَاجْتمعَ عَلَيْهِ الْفُقَهَاء ، وتصرفوا اختصارا وشرحا واستدلالا وتخريجا ، ثمَّ تفَرقُوا فِي الْبلدَانِ ، فَكَانَ هَذَا مذهبا للشَّافِعِيّ وَالله أعلم .
حجة الله البالغة — صفحة 253
مساهمون: ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )
ص٢٥٣