تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجة الله البالغة — صفحة 252

مساهمون:

ص٢٥٢
وَنَشَأ الشَّافِعِي فِي أَوَائِل ظُهُور المذهبين وترتيب أصولهما وفروعهما ، فَنظر فِي صَنِيع الْأَوَائِل ، فَوجدَ فِيهِ أمورا كبحت عنانه عَن الجريان فِي طريقهم ، وَقد ذكرهَا فِي أَوَائِل كتاب الْأُم . مِنْهَا أَنه وجدهم يَأْخُذُونَ بالمرسل والمنقطع ، فَيدْخل فيهمَا الْخلَل ، فَإِنَّهُ إِذا جمع طرق الحَدِيث يظْهر أَنه كم من مُرْسل لَا أصل لَهُ ، وَكم من مُرْسل يُخَالف مُسْندًا ، فقرر أَلا يَأْخُذ بالمرسل إِلَّا عِنْد وجود شُرُوط ، وَهِي مَذْكُورَة فِي كتب الْأُصُول . وَمِنْهَا أَنه لم تكن قَوَاعِد الْجمع بَين المختلفات مضبوطة عِنْدهم فَكَانَ يتَطَرَّق بذلك خلل فِي مجتهداتهم ، فَوضع لَهَا أصولاً ، ودونها فِي كتاب ، وَهَذَا أول تدوين كَانَ فِي أصُول الْفِقْه . مِثَاله مَا بلغنَا أَنه دخل على مُحَمَّد ابْن الْحسن وَهُوَ يطعن على أهل الْمَدِينَة فِي قضائهم بِالشَّاهِدِ الْوَاحِد مَعَ الْيَمين ، وَيَقُول : هَذِه زِيَادَة على كتاب الله ، فَقَالَ الشَّافِعِي : أثبت عنْدك أَنه لَا تجوز الزِّيَادَة على كتاب الله بِخَبَر الْوَاحِد ؟ قَالَ : نعم قَالَ : فَلم قلت إِن الْوَصِيَّة للْوَارِث لَا تجوز لقَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَلا لَا وَصِيَّة لوَارث " وَقد قَالَ الله تَعَالَى : { كتب عَلَيْكُم إِذا حضر أحدكُم الْمَوْت } . وَأورد عَلَيْهِ أَشْيَاء من هَذَا الْقَبِيل ، فَانْقَطع كَلَام مُحَمَّد ابْن الْحسن . وَمِنْهَا أَن بعض الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة لم يبلغ عُلَمَاء التَّابِعين مِمَّن وسد إِلَيْهِم الْفَتْوَى ، فاجتهدوا بآرائهم ، أَو اتبعُوا العمومات ، أَو اقتدوا بِمن مضى من الصَّحَابَة فأفتوا حسب ذَلِك . ثمَّ ظَهرت بعد ذَلِك فِي الطَّبَقَة الثَّالِثَة فَلم يعلمُوا بهَا ظنا مِنْهُم أَنَّهَا تخَالف عمل أهل مدينتهم وسنتهم الَّتِي لَا اخْتِلَاف لَهُم فِيهَا ، وَذَلِكَ قَادِح فِي الحَدِيث وَعلة مسقطة لَهُ ، أَو لم تظهر فِي الثَّالِثَة ، وَإِنَّمَا ظهر ت بعد ذَلِك عِنْدَمَا أمعن أهل الحَدِيث فِي جمع طرق الحَدِيث ، ورحلوا إِلَى أقطار الأَرْض ، وَبَحَثُوا عَن حَملَة الْعلم ، فَكثر من الْأَحَادِيث مَا لَا يرويهِ من الصَّحَابَة إِلَّا رجل أَو رجلَانِ ، وَلَا يرويهِ عَنهُ أَو عَنْهُمَا إِلَّا رجل أَو رجلَانِ ، وهلم جرا ، فخفي على أهل الْفِقْه ، وَظهر فِي عصر الْحفاظ الجامعين لطرق الحَدِيث كَثِيرَة من الْأَحَادِيث ، رَوَاهُ أهل الْبَصْرَة مثلا وَسَائِر الأقطار فِي غَفلَة مِنْهُ ، فَبين الشَّافِعِي أَن الْعلمَاء من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ لم يزل شَأْنهمْ أَنهم يطْلبُونَ الحَدِيث فِي الْمَسْأَلَة ، فإذا لم يَجدوا تمسكوا بِنَوْع آخر من الِاسْتِدْلَال ، ثمَّ إِذا ظهر عَلَيْهِم الحَدِيث بعد رجعُوا من اجتهادهم إِلَى الحَدِيث فإذا كَانَ الْأَمر على ذَلِك لَا يكون عدم تمسكهم بِالْحَدِيثِ قدحا فِيهِ ، اللَّهُمَّ إِلَّا