وأعلمهم بقضايا عمر وأقاويل عبد الله بن عمر وَعَائِشَة وأصحابهم من الْفُقَهَاء السَّبْعَة ، وَبِه وبأمثاله قَامَ علم الرِّوَايَة وَالْفَتْوَى ، فَلَمَّا وسد إِلَيْهِ الْأَمر حدث ، وَأفْتى ، وَأفَاد ، وأجاد ، وَعَلِيهِ انطبق قَول النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يُوشك أَن يضْرب النَّاس أكباد الْإِبِل يطْلبُونَ الْعلم ، فَلَا يَجدونَ أحدا أعلم من عَالم الْمَدِينَة " على مَا قَالَه ابْن عُيَيْنَة وَعبد الرَّزَّاق - وناهيك بهما - فَجمع أَصْحَابه رواياته ومختاراته لخصوها ، وحرروها ، وشرحوها ، وَخَرجُوا عَلَيْهَا ، وَتَكَلَّمُوا فِي أُصُولهَا ودلائلها ، وَتَفَرَّقُوا إِلَى الْمغرب ونواحي الأَرْض ، فنفع الله بهم كثيرا من خلقه .
وَإِن شِئْت أَن تعرف حَقِيقَة مَا قُلْنَاهُ ، من أصل مذْهبه فَانْظُر فِي كتاب الْمُوَطَّأ تَجدهُ كَمَا ذكرنَا .
وَكَانَ أَبُو حنيفَة رَضِي الله عَنهُ ألزمهم بِمذهب إِبْرَاهِيم وأقرانه لَا يُجَاوِزهُ إِلَّا مَا شَاءَ الله ، وَكَانَ عَظِيم الشَّأْن فِي التَّخْرِيج على مذْهبه دَقِيق النّظر فِي وُجُوه التخريجات مُقبلا على الْفُرُوع أتم إقبال ، وَإِن شِئْت أَن تعلم حَقِيقَة
مَا قُلْنَا فلخص أَقْوَال إِبْرَاهِيم وأقرانه من كتاب الْآثَار لمُحَمد رَحمَه الله وجامع عبد الرَّزَّاق ومصنف أَبُو بكر بن أبي شيبَة ، ثمَّ قايسه بمذهبه تَجدهُ لَا يُفَارق تِلْكَ المحجة إِلَّا فِي مَوَاضِع يسيرَة وَهُوَ فِي تِلْكَ الْيَسِيرَة أَيْضا لَا يخرج عَمَّا ذهب إِلَيْهِ فُقَهَاء الْكُوفَة ، وَكَانَ أشهر أَصْحَابه ذكرا أَبُو يُوسُف رَحمَه الله ، فولى قَضَاء الْقُضَاة أَيَّام هَارُون الرشيد ، فَكَانَ سَببا لظُهُور مذْهبه وَالْقَضَاء بِهِ فِي أقطار الْعرَاق وخراسان وَمَا وَرَاء النَّهر ، وَكَانَ أحْسنهم تصنيفا وألزمهم درسا مُحَمَّد بن الْحسن ، وَكَانَ من خَبره أَنه تفقه على أبي يُوسُف ، ثمَّ خرج ، إِلَى الْمَدِينَة ، فَقَرَأَ الْمُوَطَّأ على مَالك ، ثمَّ رَجَعَ إِلَى نَفسه ، فطبق مَذْهَب أَصْحَابه على الْمُوَطَّأ مَسْأَلَة مَسْأَلَة فَإِن وَافق فِيهَا وَإِلَّا فَإِن رأى طَائِفَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ ذَاهِبين إِلَى مَذْهَب أَصْحَابه فَكَذَلِك ، وَإِن وجد قِيَاسا ضَعِيفا أَو تخريجا لينًا يُخَالِفهُ حَدِيث صَحِيح فِيمَا عمل بِهِ الْفُقَهَاء أَو يُخَالِفهُ عمل أَكثر الْعلمَاء - تَركه إِلَى مَذْهَب من مَذَاهِب السّلف مِمَّا يرَاهُ أرجح مَا هُنَاكَ ، وَهَذَانِ لَا يزَالَانِ على محجة إِبْرَاهِيم وأقرانه مَا أمكن لَهما كَمَا كَانَ أَبُو حنيفَة رَضِي الله عَنهُ يفعل ذَلِك .
وَإِنَّمَا كَانَ اخْتلَافهمْ فِي أحد شَيْئَيْنِ : إِمَّا أَن يكون لشيخهما تَخْرِيج على مَذْهَب إِبْرَاهِيم يزاحمانه فِيهِ ، أَو يكون هُنَاكَ لإِبْرَاهِيم ونظرائه أَقْوَال مُخْتَلفَة يخالفان شيخهما فِي تَرْجِيح بَعْضهَا على بعض ، فصنف مُحَمَّد رَحمَه الله وَجمع رَأْي هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة ، ونفع كثيرا من النَّاس ، فَتوجه أَصْحَاب أبي حنيفَة رَضِي الله عَنهُ إِلَى تِلْكَ التصانيف تلخيصا وتقريبا أَو شرحا أَو تخريجا أَو تأسيسا أَو اسْتِدْلَالا ، ثمَّ تفَرقُوا إِلَى خُرَاسَان وَمَا وَرَاء النَّهر ، فيسمى ذَلِك مَذْهَب أبي حنيفَة .
حجة الله البالغة — صفحة 251
مساهمون: ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )
ص٢٥١