وَبعدهَا الزُّهْرِيّ وَالْقَاضِي يحيى بن سعيد وَرَبِيعَة بن عبد الرَّحْمَن فِيهَا ، وَعَطَاء بن أبي رَبَاح بِمَكَّة ، وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالشعْبِيّ ، بِالْكُوفَةِ ، وَالْحسن الْبَصْرِيّ بِالْبَصْرَةِ ، وَطَاوُس بن كيسَان بِالْيمن ، وَمَكْحُول بِالشَّام ، فأظمأ الله أكبادا إِلَى علومهم ، فرغبوا فِيهَا ، وَأخذُوا عَنْهُم الحَدِيث وفتاوى الصَّحَابَة وأقاويلهم ، ومذاهب هَؤُلَاءِ الْعلمَاء وتحقيقاتهم من عِنْد أنفسهم ، واستفتى مِنْهُم المستفتون ، ودارت الْمسَائِل بَينهم ، وَرفعت إِلَيْهِم الْأَقْضِيَة ، وَكَانَ سعيد بن الْمسيب وَإِبْرَاهِيم وأمثالهما جمعُوا أَبْوَاب الْفِقْه أجمعها ، وَكَانَ لَهُم فِي كل بَاب أصُول تلقوها من السّلف ، وَكَانَ سعيد وَأَصْحَابه يذهبون إِلَى أَن أهل الْحَرَمَيْنِ أثبت النَّاس فِي الْفِقْه ، وأصل مَذْهَبهم فَتَاوَى عبد الله بن عمر وَعَائِشَة وَابْن عَبَّاس ، وقضايا قُضَاة الْمَدِينَة ، فَجمعُوا من ذَلِك مَا يسره الله لَهُم ، ثمَّ نظرُوا فِيهَا نظر اعْتِبَار وتفتيش ، فَمَا كَانَ مِنْهَا مجمعا عَلَيْهِ بَين عُلَمَاء الْمَدِينَة فَإِنَّهُم يَأْخُذُونَ عَلَيْهِ بنواجذهم ، وَمَا كَانَ فِيهِ اخْتِلَاف عِنْدهم ، فَإِنَّهُم يَأْخُذُونَ بأقواها وأرجحها إِمَّا بِكَثْرَة من ذهب إِلَيْهِ مِنْهُم أَو لموافقته بِقِيَاس قوى أَو تَخْرِيج صَرِيح ، من الْكتاب وَالسّنة أَو نَحْو ذَلِك ، وَإِذا لم يَجدوا فِيمَا حفظوا مِنْهُم جَوَاب الْمَسْأَلَة خَرجُوا من كَلَامهم وتتبعوا الْإِيمَاء والاقتضاء ،
فَحصل لَهُم مسَائِل كَثِيرَة فِي كل بَاب بَاب ، وَكَانَ إِبْرَاهِيم وَأَصْحَابه يرَوْنَ أَن عبد الله بن مَسْعُود وَأَصْحَابه أثبت النَّاس فِي الْفِقْه كَمَا قَالَ عَلْقَمَة لمسروق : هَل أحد مِنْهُم أثبت من عبد الله ؟ وَقَول أبي حنيفَة رَضِي الله عَنهُ للأوزاعي إِبْرَاهِيم أفقه من سَالم ، وَلَوْلَا فضل الصُّحْبَة لَقلت أَن عَلْقَمَة أفقه من عبد الله ابْن عَمْرو وَعبد الله - هُوَ عبد الله - وأصل مذْهبه فَتَاوَى عبد الله بن مَسْعُود وقضايا عَليّ رَضِي الله عَنْهُمَا وفتاواه وقضايا شُرَيْح وَغَيره من قُضَاة الْكُوفَة ، فَجمع من ذَلِك مَا يسره الله . ثمَّ صنع فِي آثَارهم كَمَا صنع أهل الْمَدِينَة فِي آثَار أهل الْمَدِينَة ، وَخرج كَمَا خَرجُوا ، فلخص لَهُ مسَائِل الْفِقْه فِي كل بَاب بَاب . وَكَانَ سعيد بن الْمسيب لِسَان فُقَهَاء الْمَدِينَة ، وَكَانَ أحفظهم لقضايا عمر وَلِحَدِيث أبي هُرَيْرَة ، وَإِبْرَاهِيم لِسَان فُقَهَاء الْكُوفَة ، فَإِذا تكلما بِشَيْء ، وَلم ينسباه إِلَى أحد فَإِنَّهُ فِي الْأَكْثَر مَنْسُوب إِلَى أحد من السّلف صَرِيحًا أَو إيما وَنَحْو ذَلِك ، فَاجْتمع عَلَيْهِمَا فُقَهَاء بلدهما وَأخذُوا عَنْهُمَا وعقلوه وَخَرجُوا عَلَيْهِ وَالله أعلم .
حجة الله البالغة — صفحة 248
مساهمون: ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )
ص٢٤٨