تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجة الله البالغة — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠
وَهَذِه أصُول يخرج عَلَيْهَا جملَة عَظِيمَة من أَحَادِيث النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَنَذْكُر هَهُنَا معظمها : مِنْهَا أَن الله تَعَالَى إِذا أجْرى سنته على نَحْو بِأَن رتب الْأَسْبَاب مفضية إِلَى مسبباتها ، لتنظم الْمصلحَة الْمَقْصُودَة بِحِكْمَتِهِ الْبَالِغَة وَرَحمته التَّامَّة - اقْتضى ذَلِك أَن يكون تغير خلق الله شرا وسعيا فِي الافساد وسببا لترشح النفرة عَلَيْهِ من الْمَلأ الْأَعْلَى ، فَلَمَّا خلق الله الْإِنْسَان على وَجه لَا يتكون فِي أَكثر الْأَوْقَات والأحيان من الأَرْض تكون الديدان مِنْهَا ، وَكَانَت حكمته تقضى بَقَاء نوع الْإِنْسَان ، بل انتشار أَفْرَاده وكثرتهم فِي الْعَالم - أودع فيهم قوى التناسل ، ورغبهم فِي طلب النَّسْل ، وَجعل الغلمة مسلطة عَلَيْهِم مِنْهُم ؛ ليقضي الله بذلك أمرا أوجبته الْحِكْمَة الْبَالِغَة ، فَلَمَّا أطلع الله النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على هَذَا السِّرّ ، وكشف عَلَيْهِ جلية الْحَال - اقْتضى ذَلِك أَن ينْهَى عَن قطع هَذَا السَّبِيل وإهمال تِلْكَ القوى الْمُقْتَضِيَة أَو صرفهَا فِي غير محلهَا ، وَلذَلِك نهى أَشد النَّهْي عَن الخصاء واللواطة وَكره الْعَزْل . وَاعْلَم أَن أَفْرَاد الْإِنْسَان عِنْد سَلامَة مزاجها وتمكين الْمَادَّة وَأَحْكَام النَّوْع من نَفسهَا - تكون على هَيْئَة مَعْلُومَة من اسْتِوَاء الْقَامَة وَظُهُور الْبشرَة وَنَحْو ذَلِك وَهَذَا حكم النَّوْع وَمُقْتَضَاهُ وأثره فِي الْأَفْرَاد ، وَفِي الْخَيْر العالي طلب واقتضاء لبَقَاء الْأَنْوَاع وَظُهُور أشباحها فِي الأَرْض ، وَلذَلِك كَانَ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمر بقتل الْكلاب ، ثمَّ نهى عَن ذَلِك ، وَقَالَ : " إِنَّهَا أمة من الْأُمَم " يَعْنِي أَن النَّوْع لَهُ مُقْتَض عِنْد الله ، وَنفى أشباحه من الأَرْض غير مرضى ، وَهَذَا الِاقْتِضَاء ينجر إِلَى اقْتِضَاء ظُهُور أَحْكَام النَّوْع فِي الْأَفْرَاد ، فمنافضة هَذَا الِاقْتِضَاء وَالسَّعْي فِي رد قَبِيح منافر للْمصْلحَة الْكُلية ، وعَلى هَذِه الْقَاعِدَة يخرج التَّصَرُّف فِي الْبدن بِمَا لَا يَقْتَضِيهِ حكم النَّوْع كالخصاء والتفلج والتنمص وَنَحْو ذَلِك ، أما الْكحل والتسريح فان ذَلِك كالإعانة على ظُهُور الْأَحْكَام الْمَقْصُودَة والموافقة بهَا ، وَلما شرع الله تَعَالَى لبني آدم شَرِيعَة يَنْتَظِم بهَا شملهم ، وَيصْلح بهَا حَالهم ، كَانَ فِي الملكوت دَاعِيَة لظهورها كَانَ أمرهَا كأمرها الْأَنْوَاع فِي طلب ظُهُور الأشباح فِي الأَرْض ، وَلذَلِك كَانَ السَّعْي فِي إهمالها مسخوطا عِنْد الْمَلأ الْأَعْلَى منافرا لما هُوَ مقتضاهم ومطمح هَمهمْ ، وَكَذَلِكَ الارتفاقات الَّتِي أحمع عَلَيْهَا طوائف النَّاس من عربهم وعجمهم وأقاصيهم وأدانيهم فَإِنَّهَا كالأمر الطبيعي .