وَمِنْهَا أَنه إِذا كَانَ شَيْء يحْتَمل مفْسدَة كَانَ من حَقه أَن يكره كَقَوْلِه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فَلَا يغمس يَده فِي الاناء ، فَإِنَّهُ لَا يدْرِي أَيْن باتت يَده " وَبِالْجُمْلَةِ علم الله نبيه أحكاما من الْعِبَادَات والارتفاقات فبينها النَّبِي
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا النَّحْو من الْبَيَان وَخرج مِنْهَا أحكاما جليلة فِي كل بَاب بَاب ، وَهَذَا الْبَاب من الْبَيَان مَعَ الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى تلقاهما فُقَهَاء الْأمة من بَين عُلُوم النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ووعاهما قُلُوبهم بتدبر ، فانشعب مِنْهَا مَا أودعوه فِي مصنفاتهم وكتبهم ، وَالله أعلم .
( بَاب ضبط الْمُبْهم وتميز الْمُشكل والتخريج من الْكُلية وَنَحْو ذَلِك )
اعْلَم أَن كثير من الْأَشْيَاء الَّتِي أديرت الْأَحْكَام على أساميها مَعْلُوم بالمثال وَالْقِسْمَة ، غير مَعْلُوم بِالْحَدِّ الْجَامِع الْمَانِع الَّذِي يكْشف حَال كل فَرد فَرد أَنه مِنْهُ أَولا كالسرقة قَالَ الله تَعَالَى :
{ وَالسَّارِق والسارقة فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا }
أجري الْحَد على اسْم السَّارِق ، وَمَعْلُوم أَن الْوَاقِع فِي قصَّة بني الأبيرق وَطعيمَة وَالْمَرْأَة المخزومية هِيَ السّرقَة وَمَعْلُوم أَن اخذ مَال الْغَيْر أَقسَام : مِنْهَا السّرقَة ، وَمِنْهَا قطع الطَّرِيق ، وَمِنْهَا الاختلاس ، وَمِنْهَا الْخِيَانَة ، وَمِنْهَا الِالْتِقَاط ، وَمِنْهَا الْغَصْب ، وَمِنْهَا قلَّة المبالاة ، وَفِي مثل ذَلِك رُبمَا يسْأَل النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَن صُورَة صُورَة هَل هِيَ من السّرقَة سُؤال مقَال أَو سُؤال حَال ، فَيجب عَلَيْهِ أَن يبين حَقِيقَة السّرقَة متميزة عَمَّا يشاركها بِحَيْثُ يَتَّضِح حَال كل فَرد فَرد ، وَطَرِيق التميز أَن ينظر إِلَى ذاتيات هَذِه الْأَسَامِي الَّتِي لَا تُوجد فِي السّرقَة ، وَيَقَع بهَا التفارق بَين الْقبْلَتَيْنِ وَإِلَى ذاتيات السّرقَة الَّتِي يفهمها أهل الْعرف من تِلْكَ اللَّفْظَة ، ثمَّ يضْبط السّرقَة بِأُمُور معنوية يحصل بهَا التَّمْيِيز ، فَيعلم مثلا أَن قطع الطَّرِيق والحرابة وَنَحْوهمَا من الْأَسَامِي تنبئ عَن اعْتِمَاد الْقُوَّة بِالنِّسْبَةِ إِلَى المظلومين وَاخْتِيَار مَكَان أَو زمَان لَا يلْحق فِيهِ
الْغَوْث من الْجَمَاعَة ، وَأَن الاختلاس يُنبئ عَن اختطاف على أعين النَّاس ، وَفِي مرأى مِنْهُم ومسمع ، والخيانة تنبئ عَن تقدم شركَة أَو مباسطة ، وَحفظ الِالْتِقَاط يُنبئ عَن وجدان شَيْء فِي غير حرز ،
حجة الله البالغة — صفحة 193
مساهمون: ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )
ص١٩٣