والراسخ فِي الْعلم يعلم أَن الشَّرْع لم يَجِيء فِي النِّكَاح وَالطَّلَاق ، والمعاملات والزينة واللباس وَالْقَضَاء وَالْحُدُود وَقِسْمَة الْغَنِيمَة بِمَا لم يكن لَهُم بِهِ علم ، أَو يترددوا فِيهِ إِذا كلفوا بِهِ ، نعم إِنَّمَا وَقع إِقَامَة المعوج وَتَصْحِيح السقيم كَانَ قد كثر فيهم الرِّبَا ، فنهوا عَنهُ ، وَكَانُوا يبيعون الثِّمَار قبل أَن يَبْدُو صَلَاحهَا يختصمون ، ويحتجون بعاهات تصيبها فِيهِ عَن ذَلِك البيع ، وَكَانَت الدِّيَة على عهد عبد الْمطلب عشرَة من الإبل ، فَلَمَّا رأى أَن الْقَوْم لَا يرتدعون عَن الْقَتْل بلغَهَا مائَة ، فأبقاها النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على ذَلِك ، وَأول قسَامَة وَقعت هِيَ الَّتِي كَانَت بِحكم أبي طَالب ، وَكَانَ لرئيس الْقَوْم مرباع كل غَارة ، فسن رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخمس من كل غنيمَة ، وَكَانَ قباذ وَابْنه أنوشروان وضعا عَلَيْهِم الْخراج وَالْعشر ، فجَاء الشَّرْع بِنَحْوِ من ذَلِك ، وَكَانَ بَنو إِسْرَائِيل يرجمون الزناة ، ويقطعون السراق وَيقْتلُونَ النَّفس بِالنَّفسِ ، فَنزل الْقُرْآن بذلك . . . ، وأمثال هَذِه كَثِيرَة جدا لَا تخفى على المتتبع ، بل لَو كنت فطنا محيطا بجوانب الْأَحْكَام لعَلِمت أَيْضا أَن الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام لم يَأْتُوا فِي الْعِبَادَات غير مَا عِنْدهم هُوَ أَو نَظِيره ، لكِنهمْ نفوا تحريفات الْجَاهِلِيَّة ، وضبطوا بالأوقات والأركان مَا كَانَ مُبْهما وأشاعوا بَين النَّاس مَا كَانَ خاملا .
اعْلَم أَن الْعَجم وَالروم لما توارثوا الْخلَافَة قرونا كَثِيرَة ، وخاضوا فِي لَذَّة الدُّنْيَا ، ونسوا الدَّار الْآخِرَة ، واستحوذ عَلَيْهِم الشَّيْطَان - تعمقوا
فِي مرافق الْمَعيشَة ، وتباهوا بهَا ، وَورد عَلَيْهِم حكماء الْآفَاق يستنبطون لَهُم دقائق المعاش ومرافقه ، فَمَا زَالُوا يعْملُونَ بهَا ، وَيزِيد بَعضهم على بعض ، ويتباهون بهَا حَتَّى قيل إِنَّهُم كَانُوا يعيرون من كَانَ يلبس من صَنَادِيدهمْ ، منْطقَة أَو تاجا قيمتهَا دون مائَة ألف دِرْهَم ، أَولا يكون لَهُ قصر شامخ وآبزن وحمام وبساتين ، وَلَا يكون لَهُ دَوَاب فارهة وغلمان حسان ، وَلَا يكون لَهُ توسع فِي المطاعم وتجمل فِي الملابس ، وَذكر ذَلِك يطول . . ، وَمَا ترَاهُ من مُلُوك بلادك يُغْنِيك عَن حكاياتهم ، فَدخل كل ذَلِك فِي أصُول معاشهم ، وَصَارَ لَا يخرج من قُلُوبهم إِلَّا أَن تمزع وتولد من ذَلِك دَاء عضال دخل فِي جَمِيع أَعْضَاء الْمَدِينَة ، وَآفَة عَظِيمَة لم يبْق مِنْهُم أحد من أسواقهم ورسناقهم وغنيهم وفقيرهم إِلَّا وَقد استولت عَلَيْهِ ، وَأخذت بتلابيبه ، وأعجزته فِي نَفسه ، وأهاجت عَلَيْهِ غموما وهموما لَا أرجاء لَهَا ، وَذَلِكَ أَن تِلْكَ الْأَشْيَاء لم تكن
حجة الله البالغة — صفحة 187
مساهمون: ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )
ص١٨٧