لتحصل إِلَّا ببذل أَمْوَال خطيرة ، وَلَا تحصل تِلْكَ الْأَمْوَال إِلَّا بِتَضْعِيف الضرائب على الفلاحين والتجار وأشباههم والتضييق عَلَيْهِم ، فان امْتَنعُوا قاتلوهم ، وعذبوهم ، وَإِن أطاعوا جعلوهم بِمَنْزِلَة الْحمير وَالْبَقر يسْتَعْمل فِي النَّضْح والدياس والحصاد ، وَلَا تقتني إِلَّا ليستعان بهَا فِي الْحَاجَات ، ثمَّ لَا تتْرك سَاعَة من العناء حَتَّى صَارُوا لَا يرفعون رُؤْسهمْ إِلَى السَّعَادَة الأخوية أصلا ، وَلَا يَسْتَطِيعُونَ ذَلِك ، وَرُبمَا كَانَ إقليم وَاسع لَيْسَ فيهم أحد يهمه دينه ، وَلم يكن ليحصل أَيْضا إِلَّا بِقوم يتكسبون بتهيئة تِلْكَ المطاعم والملابس والابنية وَغَيرهَا ، ويتركون أصُول المكاسب الَّتِي عَلَيْهَا بِنَاء نظام الْعَالم ، وَصَارَ عَامَّة من يطوف عَلَيْهِم يتكلفون محاكاة الصناديد فِي هَذِه الْأَشْيَاء ، وَإِلَّا لم يَجدوا عِنْدهم حظوة ، وَلَا كَانُوا عِنْدهم على بَال ، وَصَارَ جُمْهُور النَّاس عيالا على الْخَلِيفَة يَتَكَفَّفُونَ مِنْهُ تَارَة على أَنهم من الْغُزَاة والمدبرين للمدينة يترسمون برسومهم وَلَا يكون الْمَقْصُود دفع الْحَاجة وَلَكِن
الْقيام بسيرة سلفهم ، وَتارَة على أَنهم شعراء جرت عَادَة الْمُلُوك بصلتهم ، وَتارَة على أَنهم زهاد وفقراء يقبح من الْخَلِيفَة أَلا يتفقد حَالهم ، فيضيق بَعضهم بَعْضًا ، وتتوقف مكاسبهم على صُحْبَة الْمُلُوك والرفق بهم وَحسن المحاورة مَعَهم والتملق مِنْهُم ، وَكَانَ ذَلِك هُوَ الْفَنّ الَّذِي تتعمق أفكارهم فِيهِ ، وتضيع أوقاتهم مَعَه ، فَلَمَّا كثرت هَذِه الأشغال تشبح فِي نفوس النَّاس هيئات خسيسة ، وأعرضوا عَن الْأَخْلَاق الصَّالِحَة
وَإِن شِئْت أَن تعرف حَقِيقَة هَذَا الْمَرَض ، فَانْظُر إِلَى قوم لَيست فيهم الْخلَافَة ، وَلَا هم متعمقون فِي لذائذ الْأَطْعِمَة والألبسة - تَجِد كل وَاحِد مِنْهُم بِيَدِهِ أمره ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ من الضرائب الثَّقِيلَة مَا يثقل ظَهره ، فهم يَسْتَطِيعُونَ التفرغ لأمر الدّين وَالْملَّة ، ثمَّ تصور حَالهم لَو كَانَ فيهم الْخلَافَة ، وملأوها ، وَسَخِرُوا الرّعية ، وتسلطوا عَلَيْهِم فَلَمَّا عظمت الْمُصِيبَة وَاشْتَدَّ هَذَا الْمَرَض - سخط عَلَيْهِم الله وَالْمَلَائِكَة المقربون ، وَكَانَ رِضَاهُ تَعَالَى فِي معالجة هَذَا الْمَرَض بِقطع مادته ، فَبعث نَبيا أُمِّيا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يخالط الْعَجم وَالروم ، وَلم يترسم برسومهم ، وَجعله ميزانا يعرف بِهِ الْهدى الصَّالح المرضي عِنْد الله من غير المرضي ، وأنطقه بذم عادات الْأَعَاجِم وقبح الِاسْتِغْرَاق فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا والاطمئنان بهَا ، وَنَفث فِي قلبه أَن يحرم عَلَيْهِم رُءُوس مَا اعتاده الْأَعَاجِم ، وتباهوا بهَا كلبس الْحَرِير والقسي والأرجوان وَاسْتِعْمَال أواني الذَّهَب وَالْفِضَّة وحلي الذَّهَب غير المقطع وَالثيَاب المصنوعة فِيهَا الصُّور وتزويق الْبيُوت وَغير ذَلِك ، وَقضى بِزَوَال دولتهم بدولته ، ورياستهم برياسته ، وَبِأَنَّهُ هلك كسْرَى ، فَلَا كسْرَى بعده وَهلك قَيْصر ، فَلَا قَيْصر بعده .
وَاعْلَم أَنه كَانَ فِي أهل الْجَاهِلِيَّة مناقشات ضيقت على الْقَوْم وصعبت ، وَلم يكن زَوَالهَا إِلَّا بِقطع رُءُوسهم فِي ذَلِك الْبَاب كثأر القتلة كَانَ الْإِنْسَان يقتل إنْسَانا فَيقْتل ولي الْمَقْتُول أَخا الْقَاتِل أَو ابْنه ، وَيعود هَذَا فَيقْتل وَاحِدًا
مِنْهُم ، ويدور الْأَمر كَذَلِك فَقَالَ
حجة الله البالغة — صفحة 188
مساهمون: ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )
ص١٨٨