تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجة الله البالغة — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
{ يُرِيد الله بكم الْيُسْر وَلَا يُرِيد بكم الْعسر } وَإِمَّا أَن ينْبذ وَرَاء الظّهْر بِالْكُلِّيَّةِ ، فتألف النَّفس بِتَرْكِهِ ، وتسترسل مَعَ إهماله ، وَإِنَّمَا تمرن النَّفس تمرين الدَّابَّة الصعبة يغتنم مِنْهَا الألفة وَالرَّغْبَة ، وَمن اشْتغل برياضة نَفسه أَو تَعْلِيم الْأَطْفَال أَو تمرين الدَّوَابّ وَنَحْو ذَلِك يعلم كَيفَ تحصل الألفة بالمداومة ، ويسهل بِسَبَبِهَا الْعَمَل ، وَكَيف تذْهب الألفة بِالتّرْكِ والإهمال ، فتضيق النَّفس بِالْعَمَلِ ، ويثقل عَلَيْهَا ، فَإِن رام الْعود إِلَيْهِ احْتَاجَ إِلَى تَحْصِيل الألفة ثَانِيًا ، فَلَا بُد إِذا من شرع الْقَضَاء إِذا فَاتَ وَقت الْعَمَل ، وَمن الرُّخص فِي الْعَمَل ليتأتي مِنْهُ ، ويتيسر لَهُ ، والعمدة فِي ذَلِك الحدس الْمُعْتَمد على معرفَة حَال الْمُكَلّفين وغرض الْعَمَل وأجزائه الَّتِي لَا بُد مِنْهَا فِي تَحْصِيل ذَلِك الْغَرَض ، وَمَعَ ذَلِك فَلهُ أصُول يعلمهَا الراسخون فِي الْعلم ، أَحدهَا : أَن الرُّكْن وَالشّرط فيهمَا شَيْئَانِ : أَحدهمَا الْأَصْلِيّ الَّذِي هُوَ دَاخل حَقِيقَة الشَّيْء ، أَو لَازمه الَّذِي لَا يعْتَمد بِهِ بِدُونِهِ بِالنّظرِ إِلَى أصل الْغَرَض مِنْهُ كالدعاء وَفعل الانحناء الدَّال على التَّعْظِيم والتنبه لخلتى الطَّهَارَة والخشوع ، وَهَذَا الْقسم من شَأْنه أَلا يتْرك فِي الْمُكْره والمنشط سَوَاء ؛ إِذْ لَا يتَحَقَّق من الْعَمَل شَيْء عِنْد تَركه . وَثَانِيهمَا التكميلي الَّذِي إِنَّمَا شرع لكَونه وَاجِبا لِمَعْنى آخر مُحْتَاجا إِلَى التَّوْقِيت ، وَلَا وَقت لَهُ أحسن من هَذِه الطَّاعَة ، أَو لِأَنَّهُ آلَة صَالِحَة لأَدَاء أصل الْغَرَض كَامِلا وافرا ، وَهَذَا الْقسم من شَأْنه أَن يرخص فِيهِ عِنْد المكاره ، وعَلى هَذَا الأَصْل يَنْبَغِي أَن تخرج الرُّخْصَة فِي ترك اسْتِقْبَال الْقبْلَة إِلَى التَّحَرِّي فِي الظلمَة وَنَحْوهَا ، وَترك ستر الْعَوْرَة لمن لَا يجد ثوبا ، وَترك الْوضُوء إِلَى التَّيَمُّم لمن لَا يجد مَاء ، وَترك الْفَاتِحَة إِلَى ذكر من الْأَذْكَار لمن لَا يقدر عَلَيْهَا ، وَترك الْقيام إِلَى الْقعُود والاضطجاع لمن لَا يستطيعه وَترك الرُّكُوع وَالسُّجُود إِلَى الانحناء لمن لَا يستطيعها . الأَصْل الثَّانِي : أَنه يَنْبَغِي أَن يلْتَزم فِي الْبَدَل شَيْء يذكر الأَصْل ويشعر بِأَنَّهُ نائبة وبدله ، وسره تَحْقِيق الْغَرَض الْمَطْلُوب من شرع الرُّخص ، وَهُوَ أَن تبقى الألفة بِالْعَمَلِ الأول ، وَأَن تكون النَّفس كالمنتظرة ، وَلذَلِك اشْترط فِي الْمسْح على الْخُفَّيْنِ الطَّهَارَة وَقت اللّبْس وَجعل لَهُ مُدَّة يَنْتَهِي إِلَيْهَا ، وَاشْترط التَّحَرِّي فِي الْقبْلَة . وَالْأَصْل الثَّالِث : أَنه لَيْسَ كل حرج يرخص لأَجله ، فَإِن وُجُوه الْحَرج كَثِيرَة ، والرخص فِي جَمِيع ذَلِك تُفْضِي إِلَى إهمال الطَّاعَة ، وَالِاسْتِقْصَاء فِي ذَلِك نبغي العناء ومقاساة التَّعَب ، وَهُوَ الْمُعَرّف لانقياد الشَّرْع واستقامة النَّفس ، فاقتضت الْحِكْمَة أَلا يَدُور
حجة الله البالغة — صفحة 184 | ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي ) / السيد سابق