على وُجُوه من الارتفاقات ، وَذَلِكَ قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " بعثت لمحق المعازف " . وَقَوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " بعثت لأتمم مَكَارِم الْأَخْلَاق " .
وَاعْلَم أَنه لَيْسَ رضَا الله تَعَالَى فِي إهمال الارتفاق الثَّانِي وَالثَّالِث . وَلم يَأْمر بذلك أحد من الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام . وَلَيْسَ الْأَمر كَمَا ظَنّه قوم فروا إِلَى الْجبَال ، وَتركُوا مُخَالطَة النَّاس رَأْسا فِي الْخَيْر وَالشَّر ، وصاروا بِمَنْزِلَة الْوَحْش ، وَلذَلِك رد النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على من أَرَادَ التبتل وَقَالَ : " مَا بعثت بالرهبانية وَإِنَّمَا بعثت بالملة الحنيفية السمحة " لَكِن الأنبياء عَلَيْهِم السَّلَام أمروا بتعديل الارتفاقات ، وَألا يبلغ بهَا حَال المتعمقين فِي الرَّفَاهِيَة كملوك الْعَجم ، وَلَا ينزل بهَا إِلَى - حَال سكان شَوَاهِق الْجبَال اللاحقين بالوحش .
وَهنا قياسان متعارضان : أَحدهمَا أَن الترفه حسن يَصح بِهِ المزاج ، ويستقيم بِهِ الْأَخْلَاق ، وَيظْهر بِهِ الْمعَانِي الَّتِي امتاز بِهِ الْآدَمِيّ من سَائِر بني جنسه ، والغباوة وَالْعجز وَنَحْوهمَا تنشأ من سوء التَّدْبِير .
وَثَانِيهمَا أَن الترفه قَبِيح لاحتياجه إِلَى منازعات ومشاركات وكد وتعب وإعراض عَن جَانب الْغَيْب وإهمال لتدبير الْآخِرَة ، وَلذَلِك كَانَ المرضى التَّوَسُّط وإبقاء الارتفاقات وَضم الْأَذْكَار مَعهَا والآداب وانتهاز فرص للتوجه إِلَى الجبروت ، وَالَّذِي أَتَى بِهِ الْأَنْبِيَاء قاطبة من عِنْد الله تَعَالَى فِي هَذَا الْبَاب هُوَ أَن ينظر إِلَى مَا عِنْد الْقَوْم من آدَاب الْأكل وَالشرب واللباس وَالْبناء ووجوه الزِّينَة ، وَمن سنة النِّكَاح وسيرة المتناكحين ، وَمن طرق البيع وَالشِّرَاء ، وَمن وُجُوه المزاجر عَن الْمعاصِي وَفصل القضايا وَنَحْو ذَلِك . فَإِن كَانَ الْوَاجِب بِحَسب الرَّأْي الْكُلِّي منطبقا عَلَيْهِ ، فَلَا معنى لتحويل شَيْء مِنْهُ من مَوْضِعه وَلَا الْعُدُول عَنهُ إِلَى غَيره ، بل يجب أَن يحث الْقَوْم على الْأَخْذ بِمَا عِنْدهم ، وَأَن يصوب رَأْيهمْ فِي ذَلِك ، ويرشدوا إِلَى مَا فِيهِ من الْمصَالح ، وَإِن لم ينْطق عَلَيْهِ ، ومست الْحَاجة إِلَى تَحْويل شَيْء أَو إخماله لكَونه مفضيا إِلَى تأذي بَعضهم من بعض أَو تعمقا فِي لذات الْحَيَاة الدُّنْيَا وإعراضا عَن الْإِحْسَان ، أَو من المسليات الَّتِي تُؤدِّي إِلَى إهمال مصَالح الدُّنْيَا وَالْآخِرَة
وَنَحْو ذَلِك - فَلَا يَنْبَغِي أَن يخرج إِلَى مَا يباين مألوفهم بِالْكُلِّيَّةِ ، بل يحول إِلَى نَظِير مَا عِنْدهم أَو نَظِير مَا اشْتهر من الصَّالِحين الْمَشْهُود لَهُم بِالْخَيرِ عِنْد الْقَوْم ، وَبِالْجُمْلَةِ فَإلَى مَا لَو ألقِي عَلَيْهِم لم تَدْفَعهُ عُقُولهمْ ، بل اطمأنت بِأَنَّهُ حق ، وَلِهَذَا الْمَعْنى اخْتلفت شرائع الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام .
حجة الله البالغة — صفحة 186
مساهمون: ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )
ص١٨٦