تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجة الله البالغة — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣
الْقُرْآن بلغتهم ، وتعينت الشَّرِيعَة فِي عاداتهم ، وَلذَلِك قدر الشَّرْع الْكَنْز بِخمْس أَوَاقٍ لِأَنَّهَا تَكْفِي أقل أهل بَيت سنة كَامِلَة فِي أَكثر أَطْرَاف المعمورة - اللَّهُمَّ إِلَّا فِي الجدب أَو الْبِلَاد الْعَظِيمَة جدا أَو أَعمالهَا - وَقدر الثلَّة الصَّغِيرَة من الْغنم بِأَرْبَعِينَ ، وَالْكَبِير بِمِائَة وَعشْرين ، وَقدر الزَّرْع الْكثير بِخَمْسَة أوساق لِأَن أقل الْبَيْت زوج وَزَوْجَة وثالث أما خَادِم أَو ولد بَينهمَا ، وَأكْثر مَا يَأْكُلهُ الْإِنْسَان فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة مد أَو رَطْل ، وَيحْتَاج مَعَ ذَلِك إِلَى إدام ، وَهَذَا الْقدر يَكْفِي من ذَلِك سنة كَامِلَة ، وَقدر المَاء الْكثير بقلتين ، وَلِأَنَّهُ حد لَا ينزل مِنْهُ الْمَعَادِن وَلَا يرتقي إِلَيْهِ الأواني فِي عَادَة الْعَرَب وَقس على ذَلِك سَائِر التقديرات وَالله أعلم . ( بَاب أسرار الْقَضَاء والرخصة ) اعْلَم أَن من السياسة أَنه إِذا أَمر بِشَيْء ، أَو نهي عَن شَيْء ، وَكَانَ المخاطبون لَا يعلمُونَ الْغَرَض من ذَلِك حق الْعلم وَجب أَن يَجْعَل عِنْدهم كالشئ الْمُؤثر بالخاصية ، يصدق بتأثيره ، وَلَا يدْرك سَبَب التَّأْثِير ، وكالرقي لَا يدْرك سَبَب تأثيرها وَلذَلِك سكت النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَن بَيَان أسرار الْأَوَامِر والنواهي تَصْرِيحًا فِي الْأَكْثَر ، وَإِنَّمَا لوح بِشَيْء مِنْهُ للراسخين فِي الْعلم من أمته ، وَلذَلِك كَانَ اعتناء حَملَة الْملَّة من الْخُلَفَاء الرَّاشِدين وأئمة الدّين بِإِقَامَة أشباح الْملَّة أَكثر من الاعتناء بِإِقَامَة أرواحها حَتَّى روى عَن عمر رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ : أَحسب جِزْيَة الْبَحْرين وَأَنا فِي الصَّلَاة ، وأجهز الْجَيْش وَأَنا فِي الصَّلَاة ، وَلذَلِك كَانَ سنة الْمُفْتِينَ قَدِيما وحديثا أَلا يتَعَرَّضُوا لدَلِيل الْمَسْأَلَة عِنْد الافتاء ، وَوَجَب أَن يسجل على الْأَخْذ بالمأمور حق التسجيل ، ويلام على تَركه أَشد الْمَلَامَة ، وَتجْعَل أنفسهم ترغب فِيهَا وتألفها حق الرَّغْبَة والألفة حَتَّى تصير دَاعِيَة الْحق مُحِيطَة بظواهرهم وبواطنهم ، وَإِذا كَانَ كَذَلِك ، ثمَّ منع من الْمَأْمُور بِهِ مَانع ضَرُورِيّ - وَجب أَن يشرع لَهُ بدل يقوم مقَامه لِأَن الْمُكَلف حِينَئِذٍ بَين أَمريْن : إِمَّا أَن يُكَلف بِهِ مَعَ مَا فِيهِ من الْمَشَقَّة والحرج ، وَذَلِكَ خلاف مَوْضُوع الشَّرْع . قَالَ الله تَعَالَى :