تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجة الله البالغة — صفحة 182

مساهمون:

ص١٨٢
وَرُبمَا يُؤْتى بِالْعدَدِ إِظْهَارًا لعظم الشَّيْء وَكبره ، فَيخرج الْعدَد مخرج الْمثل ، نَظِيره مَا يُقَال محبَّة فلَان فِي قلبِي مثل الْجَبَل ، وَقدر فلَان يصل إِلَى عنان السَّمَاء ، وعَلى هَذَا يَنْبَغِي أَن يخرج قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " يفسح فِي قَبره سَبْعُونَ ذِرَاعا " وَقَوله " مد الْبَصَر " وَقَوله " إِن حَوْضِي مَا بَين الْكَعْبَة وَبَيت الْمُقَدّس " وَقَوله " حَوْضِي لأبعد من أَيْلَة إِلَى عدن " وَفِي مثل ذَلِك رُبمَا يذكر تَارَة مِقْدَار ، وَأُخْرَى مِقْدَار آخر ، وَلَا تنَاقض فِي ذَلِك بِحَسب مَا يرجع إِلَى الْغَرَض . الأَصْل الثَّالِث أَنه لَا يَنْبَغِي أَن يقدر الشَّيْء إِلَّا بِمِقْدَار ظَاهر مَعْلُوم يَسْتَعْمِلهُ المخاطبون فِي نظام الحكم ، وَله مُنَاسبَة بمدار الحكم وحكمته ، فَلَا يَنْبَغِي أَن يقدر الدَّرَاهِم إِلَّا بالأواق ، وَلَا التَّمْر إِلَّا بالأوساق ، وَلَا يَنْبَغِي أَن يُؤْتى بِجُزْء لَا يَسْتَخْرِجهُ إِلَّا المتعمقون فِي الْحساب ، كجزء من سَبْعَة عشر ، وجزء من تِسْعَة وَعشْرين ، وَلذَلِك مَا ذكره الله تَعَالَى فِي الْفَرَائِض إلاكسورا يسهل تنصيفها وتضعيفها وَمَعْرِفَة مخارجها ، وَذَلِكَ فضلان : أَحدهمَا سدي وَثلث وَثُلُثَانِ ، وَثَانِيهمَا ثمن وَربع وَنصف ، وسره أَن يظْهر فضل ذِي الْفضل ، ونقصان ذِي النُّقْصَان بَادِي الرَّأْي ، وَأَن يسهل تَخْرِيج الْمسَائِل على الأدانى والأقاصي ، وحيثما وَقعت الْحَاجة إِلَى مِقْدَار دون الْمِقْدَار الْمُعْتَبر أَولا لَا تكون النِّسْبَة بَينهمَا نِسْبَة الضعْف ، فَلَا يَنْبَغِي أَن يتَعَدَّى من الثُّلثَيْنِ بَين النّصْف وَالْوَاحد ، وَمن الثُّلُث بَين الرّبع وَالنّصف لِأَن سَائِر الاجزاء أخْفى مِنْهُمَا ، وَإِذا أُرِيد تَقْدِير مَا هُوَ كثير فِي الْجُمْلَة ، فَالْمُنَاسِب أَن يقدر بِثَلَاثَة ، إِذا أُرِيد تَقْدِير مَا هُوَ أَكثر من ذَلِك ، فَالْمُنَاسِب تَقْدِيره بِعشْرَة ، وَإِذا كَانَ الشَّيْء قد يكون قَلِيلا ، وَقد يكون كثيرا ، فَالْمُنَاسِب أَن يُؤْخَذ أقل حد وَأكْثر حد ، فينصف بَينهمَا ، وَالْمُعْتَبر فِي بَاب الزَّكَاة خمس ، وَعشر ، وَنصف الْعشْر ، وَربع الْعشْر ؛ لِأَن زِيَادَة الصَّدَقَة تَدور على كَثْرَة الرّيع وَقلة الْمُؤْنَة ، وَكَانَت مكاسب جُمْهُور أهل الأقاليم لَا تنتظم إِلَّا فِي أَربع مَرَاتِب وَكَانَ الْمُنَاسب أَن يظْهر الْفرق بَين كل مرتبتين - أصرح مَا يكون - وَذَلِكَ أَن تكون الْوَاحِدَة مِنْهَا ضعف الآخرى ، وسيأتيك تَفْصِيله ، وَإِذا وَقعت الْحَاجة إِلَى تَقْدِير الْيَسَار مثلا يَنْبَغِي أَن ينظر إِلَى مَا يعد فِي الْعرف يسارا ، وَيرى فِيهِ مَا هُوَ من أَحْكَام الْيَسَار . وَذَلِكَ بِحَسب عَادَة جُمْهُور الْمُكَلّفين مشارقتهم ومغاربتهم عربهم وعجمهم ، وبحسب مَا هُوَ كالمذهب الطبيعي لَهُم لَوْلَا الْمَانِع فَإِن لم يكن بِنَاء الْأَمر على عَادَة الْجُمْهُور لتشتت حَالهم ، فَالْمُعْتَبر حَال الْعَرَب الأول الَّذين نزل