وَمن نفث فِي قلبه أَن يُخْبِرهُمْ بالداهية الْمقدرَة عَلَيْهِم فِي الدُّنْيَا ، أَو تفطن بلعن الْحق قوما ، فَأخْبرهُم بذلك ، أَو جرد من نَفسه فِي بعض أوقاته ، فَعرف مَا سَيكون فِي الْقَبْر والحشر ، فَأخْبرهُم بِتِلْكَ الْأَخْبَار يُسمى منذرا .
وَإِذا اقْتَضَت الْحِكْمَة الإلهية أَن يبْعَث إِلَى الْخلق وَاحِد من المفهمين ، فَيَجْعَلهُ سَببا لخُرُوج النَّاس من الظُّلُمَات إِلَى النَّار ، وَفرض الله على عباده أَن يسلمُوا وُجُوههم وَقُلُوبهمْ لَهُ ، وتأكد فِي الْمَلأ الْأَعْلَى الرِّضَا عَمَّن انْقَادَ لَهُ ، وانضم إِلَيْهِ ، واللعن على من خَالفه ، وناوأه فَأخْبر النَّاس بذلك ، وألزمهم طَاعَته فَهُوَ النَّبِي ، وَأعظم الْأَنْبِيَاء شَأْنًا من لَهُ نوع آخر من الْبعْثَة أَيْضا ، وَذَلِكَ أَن يكون مُرَاد الله تَعَالَى فِيهِ أَن يكون سَببا لخُرُوج النَّاس من الظُّلُمَات إِلَى النُّور ، وَأَن يكون قومه خير أمة أخرجت للنَّاس ، فَيكون بَعثه يتَنَاوَل بعثا آخر .
وَإِلَى الأول وَقعت الإشارة فِي قَوْله تَعَالَى :
{ هُوَ الَّذِي بعث فِي الْأُمِّيين رَسُولا مِنْهُم } الْآيَة
وَإِلَى الثَّانِي فِي قَوْله تَعَالَى :
{ كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس }
وَقَوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " فَإِنَّمَا بعثتم ميسرين وَلم تبعثوا معسرين " وَنَبِينَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ استوعب جَمِيع فنون المفهمين ، واستوجب أتم البعثين ، وَكَانَ من الْأَنْبِيَاء قبله من يدْرك فَنًّا أَو فنين وَنَحْو ذَلِك .
وَاعْلَم أَن اقْتِضَاء الْحِكْمَة الإلهية لبعث الرُّسُل لَا يكون إِلَّا لانحصار الْخَيْر النسبي الْمُعْتَبر فِي التَّدْبِير فِي الْبَعْث ، وَلَا يعلم حَقِيقَة ذَلِك إِلَّا علام الغيوب ، إِلَّا أَنا نعلم قطعا أَن هُنَالك أسبابا لَا يتَخَلَّف عَنْهَا الْبَعْث الْبَتَّةَ ، وافتراض الطَّاعَة إِنَّمَا يكون بِأَن يعلم الله تَعَالَى صَلَاح أمة من الْأُمَم أَن يطيعوا الله ، ويعبدوه ، ويكونوا بِحَيْثُ لَا تستوجب نُفُوسهم التلقي من الله ، وَيكون صَلَاح أَمرهم محصورا يَوْمئِذٍ فِي اتِّبَاع النَّبِي ، فَيَقْضِي الله فِي حَظِيرَة الْقُدس بِوُجُوب اتِّبَاعه ، ويتقرر هُنَالك الْأَمر ، وَذَلِكَ إِمَّا بِأَن يكون الْوَقْت وَقت ابْتِدَاء ظُهُور دولة ، وكبت الدول بهَا ، فيبعث الله تَعَالَى من يُقيم دين أَصْحَاب تِلْكَ الدولة كبعث سيدنَا مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَو يقدر الله تَعَالَى بَقَاء قوم واصطفاءهم على الْبشر ، فيبعث من يقوم عوجهم ، وَيُعلمهُم الْكتاب كبعث سيدنَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام ، أَو يكون نظم مَا قضى لقوم من اسْتِمْرَار دولة أَو دين يَقْتَضِي بعث مُجَدد كداود وَسليمَان وَجمع من أَنْبيَاء بني إِسْرَائِيل عَلَيْهِم السَّلَام ، وَهَؤُلَاء الْأَنْبِيَاء قد قضى الله بنصرتهم على أعدائهم كَمَا قَالَ :
حجة الله البالغة — صفحة 156
مساهمون: ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )
ص١٥٦