وَالثَّالِث أَن تحدث حوادث لأسبابها الخارجية من مجازاة العصاة وحدوث الْأُمُور الْعِظَام فِي الجو ، فيجعلها الله تَعَالَى معْجزَة لَهُ بِوَجْه من الْوُجُوه ، إِمَّا لتقدم إِخْبَار بهَا ، أَو تربت المجازاة على مُخَالفَة أمره ، أَو كَونهَا مُوَافقَة بِمَا أخبر من سنة المجازاة ، أَو أَمر مِمَّا يشبه ذَلِك .
والعصمة لَهَا أَسبَاب ثَلَاثَة : أَن يخلق الْإِنْسَان نقيا عَن الشَّهَوَات الرذيلة سَمحا لَا سِيمَا فِيمَا يرجع إِلَى مُحَافظَة الْحُدُود الشَّرْعِيَّة ، وَأَن يوحي إِلَيْهِ حسن الْحسن وقبح الْقَبِيح ومالهما ، وَأَن يحول الله بَينه وَبَين مَا يُرِيد من الشَّهَوَات الرذيلة .
وَاعْلَم أَن من سيرة الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام أَلا يأمروا بالتفكر فِي ذَات الله تَعَالَى وَصِفَاته ، فان ذَلِك لَا يستطيعه جُمْهُور النَّاس ، وَهُوَ قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " تَفَكَّرُوا فِي خلق الله وَلَا تَفَكَّرُوا فِي الله " وَقَوله فِي آيَة .
{ وَأَن إِلَى رَبك الْمُنْتَهى }
قَالَ : " لَا فكرة فِي الرب " وَإِنَّمَا يأمرون فِي التفكر فِي نعم الله تَعَالَى وعظيم قدرته .
وَمن سيرتهم أَلا يكلموا النَّاس إِلَّا على قدر عُقُولهمْ الَّتِي خلقُوا عَلَيْهَا وعلومهم الَّتِي هِيَ حَاصِلَة عِنْدهم بِأَصْل الْخلقَة ، وَذَلِكَ لِأَن نوع الْإِنْسَان حَيْثُمَا وجد فَلهُ فِي أصل الْخلقَة حد من الْإِدْرَاك زَائِد على إِدْرَاك سَائِر الْحَيَوَانَات إِلَّا إِذا عَصَتْ الْمَادَّة جدا ، وَله عُلُوم لَا يخرج إِلَيْهَا إِلَّا بخرق الْعَادة المستمرة كالنفوس القدسية من الْأَنْبِيَاء والأولياء ، أَو برياضات شاقة تهيئ
نَفسه لإدراك مَا لم يكن عِنْده بِحِسَاب ، أَو بممارسة قَوَاعِد الْحِكْمَة وَالْكَلَام وأصول الْفِقْه وَنَحْوهَا مُدَّة طَوِيلَة ، فالأنبياء لم يخاطبوا النَّاس إِلَّا على منهاج إدراكهم الساذج الْمُودع فيهم بِأَصْل الْخلقَة ، وَلم يلتفتوا إِلَى مَا يكون نَادِر الْأَسْبَاب قَلما يتَّفق وجودهَا ، فَلذَلِك لم يكلفوا النَّاس أَن يعرفوا رَبهم بالتجليات والمشاهدات ، وَلَا بالبراهين والقياسات ، وَلَا أَن يعرفوه منزها عَن جَمِيع الْجِهَات ، فان ذَلِك كالممتنع بِالْإِضَافَة إِلَى من لم يشْتَغل بالرياضات ، وَلم يخالط المعقوليين مُدَّة طَوِيلَة ، وَلم يرشدوهم إِلَى طَرِيق الاستنباط والاستدلالات ووجوه الاستحسانات ، وَالْفرق بَين الْأَشْبَاه والنظائر بمقدمات دقيقة المأخذ ، وَسَائِر مَا يَتَطَاوَل بِهِ أَصْحَاب الرَّأْي على أهل الحَدِيث .
وَمن سيرتهم أَلا يشتغلوا بِمَا لَا يتَعَلَّق بتهذيب النَّفس وسياسة الْأمة كبيان أَسبَاب حوادث الجو من الْمَطَر والكسوف والهالة وعجائب النَّبَات وَالْحَيَوَان ومقادير سير
حجة الله البالغة — صفحة 158
مساهمون: ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )
ص١٥٨