{ سنفرغ لكم أَيهَا الثَّقَلَان }
وجازاه الْجَزَاء الأوفى وَالله اعْلَم .
( المبحث السَّادِس )
( مَبْحَث السياسات الملية )
( بَاب الْحَاجة إِلَى هداة السبل ومقيمى الْملَل )
قَالَ الله تَعَالَى :
{ إِنَّمَا أَنْت مُنْذر وَلكُل قوم هاد }
وَاعْلَم أَن السّنَن الكاسبة لانقياد البهيمية للملكية والآثام المباينة لَهَا ، وَإِن كَانَ الْعقل السَّلِيم يدل عَلَيْهَا ، وَيدْرك فَوَائِد هَذِه ومضار تِلْكَ ، لَكِن النَّاس فِي غَفلَة مِنْهَا ، لِأَنَّهُ تغلب عَلَيْهِم الْحجب ، فَيفْسد وجدانهم ، كَمثل الصفراوي ، فَلَا يتصورون الْحَالة الْمَقْصُودَة وَلَا نَفعهَا وَلَا الْحَالة المحوفة وَلَا ضررها ، فيحتاجون إِلَى عَالم بِالسنةِ الراشدة يسوسهم ، وَيَأْمُر بهَا ، ويحض عَلَيْهَا ، وينكر على مخالفتها .
وَمِنْهُم ذُو رَأْي فَاسد لَا يقْصد بِالذَّاتِ إِلَّا لأضداد الطَّرِيقَة الْمَطْلُوبَة فيضل ويضل ، فَلَا يَسْتَقِيم أَمر الْقَوْم إِلَّا بكبته وإخماله .
وَمِنْهُم ذُو رَأْي رَاشد فِي الْجُمْلَة لَا يدْرك إِلَّا حِصَّة نَاقِصَة من الاهتداء
فيحفظ شَيْئا ، ويغيب عَنهُ أَشْيَاء ، أَو يظنّ فِي نَفسه أَنه الْكَامِل الَّذِي لَا يحْتَاج إِلَى مكمل ، فَيحْتَاج إِلَى من ينبهه على جَهله .
وَبِالْجُمْلَةِ فَالنَّاس يَحْتَاجُونَ لَا محَالة إِلَى عَالم حق الْعلم تؤمن فلتأته .
وَلما كَانَت الْمَدِينَة مَعَ استبداد الْعقل المعاشى الَّذِي يُوجد عِنْد كثير من النَّاس بِإِدْرَاك النظام المصلح لَهَا تضطر إِلَى رجل عَارِف بِالْمَصْلَحَةِ على وَجههَا يقوم بسياستها ، فَمَا ظَنك بِأمة عَظِيمَة من الْأُمَم تجمع استعدادات مُخْتَلفَة جدا فِي طَريقَة لَا يقبلهَا بِشَهَادَة الْقُلُوب إِلَّا الأزكياء أهل الْفطْرَة الصافية أَو التَّجْرِيد الْبَالِغ ، وَلَا يهدى إِلَيْهَا إِلَّا الَّذين هم فِي أَعلَى دَرَجَة من أَصْنَاف النُّفُوس - وَقَلِيل مَا هم .
وَكَذَلِكَ أَيْضا لما كَانَت الحدادة والنجارة وأمثالهما لَا تتأتى من جُمْهُور النَّاس بسنن مأثورة عَن أسلافهم وأساتذة يهدونهم إِلَيْهَا ، ويحضونهم عَلَيْهَا ، فَمَا ظَنك بِهَذِهِ المطالب الشَّرِيفَة الَّتِي لَا يَهْتَدِي إِلَيْهَا إِلَّا الموفقون ، وَلَا يرغب فِيهَا إِلَّا المخلصون .
حجة الله البالغة — صفحة 153
مساهمون: ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )
ص١٥٣