ثمَّ لَا بُد لهَذَا الْعَالم أَن يثبت على رُءُوس الاشهاد أَنه عَالم بِالسنةِ الراشدة ، وَأَنه مَعْصُوم فِيمَا يَقُوله من الْخَطَأ والاضلال ، وَمن أَن يدْرك حِصَّة من الاصلاح ، وَيتْرك حِصَّة أُخْرَى لَا بُد مِنْهَا ، وَذَلِكَ ينْحَصر فِي وَجْهَيْن : إِمَّا أَن يكون رَاوِيا عَن رجل قبله انْقَطع عِنْده الْكَلَام لكَوْنهم مُجْمِعِينَ على اعْتِقَاد كَمَاله وعصمته وَكَون الرِّوَايَة مَحْفُوظَة عِنْدهم ، فَيمكن لَهُ أَن يؤاخذهم بِمَا اعتقدوه ، ويحتج عَلَيْهِم ، ويفحمهم ، أَو يكون هُوَ الَّذِي انْقَطع عِنْده الْكَلَام ، وَأَجْمعُوا عَلَيْهِ .
وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا بُد للنَّاس من رجل مَعْصُوم يَقع عَلَيْهِ الْإِجْمَاع يكون فيهم ، أَو تكون الرِّوَايَة مَحْفُوظَة عِنْدهم ، وَعلمه بِحَالَة الانقياد وتوليد هَذِه السّنَن
مِنْهَا ووجوه مَنَافِعهَا ، وَعلمه الآثام ووجوه مضارها لَا يُمكن أَن يحصل بالبرهان ، وَلَا بِالْعقلِ الْمُتَصَرف فِي المعاش ، وَلَا بالحس ، بل هِيَ أُمُور لَا يكْشف عَن حَقِيقَتهَا إِلَّا الوجدان . فَكَمَا أَن الْجُوع والعطش ، وتأثير الدَّوَاء المسخن أَو الْمبرد لَا يدْرك إِلَّا بالوجدان ، فَكَذَلِك معرفَة ملاءمة الشَّيْء للروح ومباينته لَهَا لَا طَرِيق إِلَيْهَا إِلَّا الذَّوْق السَّلِيم .
وَكَونه مَأْمُونا عَن الْخَطَأ فِي نَفسه إِنَّمَا يكون بِخلق الله علما ضَرُورِيًّا فِيهِ بِأَن جَمِيع مَا أدْرك وَعلم حق مُطَابق للْوَاقِع بِمَنْزِلَة مَا يَقع للمبصر عِنْد الابصار ، فَإِنَّهُ إِذا أبْصر شَيْئا لَا يحْتَمل عِنْده أَن تكون عينه مؤفة ، وَأَن يكون الابصار على خلاف الْوَاقِع ، وبمنزلة الْعلم بالموضوعات اللُّغَوِيَّة ، فَإِن الْعَرَبِيّ مثلا لَا يشك أَن المَاء مَوْضُوع لهَذَا العنصر ، وَلَفظ الأَرْض لذَلِك مَعَ أَنه لم يقم لَهُ على ذَلِك برهَان ، وَلَيْسَ بَينهمَا مُلَازمَة عقلية ، وَمَعَ ذَلِك فَإِنَّهُ يخلق فِيهِ علم ضَرُورِيّ .
وَإِنَّمَا يحصل ذَلِك فِي الْأَكْثَر بِأَن يكون لنَفسِهِ ملكة جبلية يكون بهَا تلقي الْعلم الوجداني على سنَن الصَّوَاب دَائِما ، وَإِن يتتابع الوجدان ، ويتكرر تجربة صدق وجدانه . . ، وَعند النَّاس إِنَّمَا يكون بِأَن يصحح عِنْدهم بأدلة كَثِيرَة برهانية أَو خطابية أَن مَا يَدْعُو إِلَيْهِ حق ، وَأَن سيرته صَالِحَة يبعد مِنْهَا الْكَذِب ، وَأَن يرَوا مِنْهُ آثَار الْقرب ، كالمعجزات واستجابة الدَّعْوَات ، حَتَّى لَا يشكوا أَن لَهُ فِي التَّدْبِير العالي منزلَة عَظِيمَة ، وَأَن نَفسه من النُّفُوس القدسية اللاحقة بِالْمَلَائِكَةِ ، وَأَن مثله حقيق بألا يكذب على الله ، وَلَا يُبَاشر مَعْصِيّة ، ثمَّ بعد ذَلِك تحدث أُمُور تؤلفهم تأليفا عَظِيما ، وتصيره عِنْدهم أحب من أَمْوَالهم وَأَوْلَادهمْ وَالْمَاء الزلَال عِنْد العطشان ، فَهَذَا كُله لَا يتَحَقَّق انصباغ أمة من الْأُمَم بالحالة الْمَقْصُودَة بِدُونِهِ ، وَلذَلِك لم يزل المشغولون بنظائر هَذِه الْعِبَادَات يسندون أَمرهم إِلَى من يَعْتَقِدُونَ فِيهِ هَذِه الْأُمُور أَصَابُوا أم أخطأوا ، وَالله اعْلَم .
حجة الله البالغة — صفحة 154
مساهمون: ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )
ص١٥٤