تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجة الله البالغة — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
وهاج من الحقد فِي صُدُور بَعضهم مثل مَا هاج فِي صُدُور الْأَوَّلين ، وخافوا الْقصاص فانحدروا إِلَى أَن يدسوا السم ، فِي الطَّعَام أَو يقتلُوا بِالسحرِ ، وَهَذَا حَالَة بِمَنْزِلَة حَال الْقَتْل بل أَشد مِنْهُ ، فَإِن الْقَتْل ظَاهِرَة يُمكن التَّخَلُّص مِنْهُ ، وَهَذِه لَا يُمكن التَّخَلُّص مِنْهَا ، وانحدروا أَيْضا إِلَى الْقَذْف وَالْمَشْي بِهِ إِلَى ذِي سُلْطَان ليقْتل . والمعايش الَّتِي جعلهَا الله تَعَالَى لِعِبَادِهِ إِنَّمَا هِيَ الِالْتِقَاط من الأَرْض الْمُبَاحَة والرعي والزراعة والصناعة وَالتِّجَارَة وسياسة الْمَدِينَة وَالْملَّة وكل كسب تجَاوز عَنْهَا فَإِنَّهُ لَا مدْخل لَهُ فِي تمدنهم . وَانْحَدَرَ بَعضهم إِلَى أكساب ضارة كالسرقة وَالْغَصْب ، وَهَذِه كلهَا مدمرة للمدينة فألهم أَنَّهَا مُحرمَة ، وَاجْتمعَ بَنو آدم كلهم على ذَلِك وَإِن بَاشَرَهَا العصاة مِنْهُم فِي غلواء نُفُوسهم ، وسعى الْمُلُوك العادلة فِي إِبْطَالهَا ومحقها ، واستشعر بَعضهم سعي الْمُلُوك فِي إِبْطَالهَا ، فانحدروا إِلَى الدَّعَاوَى والكاذبة وَالْيَمِين الْغمُوس وَشَهَادَة الزُّور وتطفيف الْكَيْل وَالْوَزْن والقمار والربا أضعافا مضاعفة ، وَحكمهَا حكم تِلْكَ الأكساب الضارة ، وَأخذ الْعشْر النهك بِمَنْزِلَة قطع الطَّرِيق ، بل أقبح . وَبِالْجُمْلَةِ فلهذه الْأَسْبَاب دخلت فِي نفوس بني آدم حُرْمَة هَذِه الْأَشْيَاء ، وَقَامَ أقواهم عقلا وأسدهم رَأيا وأعلمهم بِالْمَصْلَحَةِ الْكُلية يمْنَع عَن ذَلِك طبقَة بعد طبقَة حَتَّى صَار رسما فاشيا ، وَدخلت فِي البديهيات الأولية كَسَائِر المشهورات الذائعة ، فَعِنْدَ ذَلِك رَجَعَ إِلَى الْمَلأ الْأَعْلَى لون مِنْهُم حَسْبَمَا كَانَ انحدر إِلَيْهِم من الإلهام أَن هَذِه مُحرمَة وَأَنَّهَا ضارة أَشد الضَّرَر ، فصاروا كلما فعل وَاحِد من بني آدم شَيْئا من تِلْكَ الْأَفْعَال تأذوا مِنْهُ ، مثل مَا يضع أَحَدنَا رجله على الْجَمْرَة ، فتنتقل إِلَى القوى الإدراكية فِي تِلْكَ اللمحة ، وتتأذى مِنْهُ ، ثمَّ صَار لتأذيها خطوط شعاعية تحيط بِهَذَا العَاصِي ، وَتدْخل فِي قُلُوب المستعدين من الْمَلَائِكَة وَغَيرهم أَن يؤذوه إِذا أمكن إيذاؤه ، ورخت فِيهِ مصْلحَته الْمَكْتُوبَة عَلَيْهِ الْمُسَمَّاة فِي الشَّرْع بالهام الْمَلَائِكَة مَا رزقه وَمَا أَجله ، وَمَا عمره ، وشقي أَو سعيد ، وَفِي النُّجُوم بِأَحْكَام الطالع حَتَّى إِذا مَاتَ وهدأت عَنهُ هَذِه الْمصلحَة فرغ لَهُ بارئه كَمَا قَالَ :