تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجة الله البالغة — صفحة 149

مساهمون:

ص١٤٩
{ كل يَوْم هُوَ فِي شَأْن } وأعني بالشأن أَن للْعَالم أدوارا وأطواراً حسب الْحِكْمَة الإلهية ، فَإِذا جَاءَ دوره أُوحِي الله تَعَالَى فِي كل سَمَاء أمرهَا ، ودبر الْمَلأ الْأَعْلَى بِمَا يُنَاسِبهَا ، وَكتب لَهُم شَرِيعَة ومصلحة . ثمَّ ألهم الْمَلأ الْأَعْلَى أَن يجمعوا تمشية هَذَا الطّور فِي الْعَالم ، فَيكون إِجْمَاعهم سَببا لإلهامات فِي قُلُوب الْبشر ، فَهَذَا الشَّأْن تلو الْمرتبَة الْقَدِيمَة الَّتِي لَا يشوبها حُدُوث ، وَهَذِه أَيْضا شارحة لبَعض كَمَال الْوَاجِب جلّ مجده كالمرتبة الأولى فَكل من باين هَذَا الشَّأْن ، وأبغضه وَصد عَنهُ أتبع من الْمَلأ الْأَعْلَى بلعنة شَدِيدَة تحيط بِنَفسِهِ ، فتحبط أَعماله ، ويقسوا قلبه ، وَلَا يَسْتَطِيع أَن يكْسب من أَعمال الْبر مَا يَنْفَعهُ ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة فِي قَوْله تَعَالَى { إِن الَّذين يكتمون مَا أنزلنَا من الْبَينَات وَالْهدى من بعد مَا بَيناهُ للنَّاس فِي الْكتاب أُولَئِكَ يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون } وَقَوله : { ختم الله على قُلُوبهم وعَلى سمعهم } فَهَذَا كطير فِي قفص لَهُ منافذ إِلَّا أَنه قد غشى من فَوْقه بغاشية عَظِيمَة وَأدنى من ذَلِك أَن يعْتَقد التَّوْحِيد والتعظم على وجههما ، وَلَكِن ترك الِامْتِثَال لما أَمر بِهِ فِي حِكْمَة الْبر والاثم ، وَمثله كَمثل رجل عرف الشجَاعَة مَا هِيَ وَمَا فائدتها ، وَلَكِن لَا يَسْتَطِيع الاتصاف بهَا لِأَن حُصُول نفس الشجَاعَة غير حُصُول صورتهَا فِي النَّفس ، وَهُوَ أحسن حَالا مِمَّن لَا يعرف معنى الشجَاعَة أَيْضا ، وَمثله كَمثل طَائِر فِي قفص مشبك يرى الخضرة والفواكه وَقد كَانَ فِيمَا هُنَالك أَيَّامًا ، ثمَّ طَرَأَ عَلَيْهِ الْحَبْس ، فيشتاق إِلَى مَا هُنَالك وَيضْرب بجناحه ، وَيدخل فِي المنافذ مناقيره ، وَلَا يجد طَرِيقا يخرج مِنْهُ ، وَهَذِه هِيَ الْكَبَائِر بِحَسب حِكْمَة الْبر والاثم . وَأدنى من ذَلِك أَن يفعل هَذِه الْأَوَامِر ؛ وَلَكِن لاعلى شريطتها الَّتِي تجب لَهَا ، فَمثله كَمثل طَائِر فِي قفص مكسور فِي الْخُرُوج مِنْهُ حرج ، وَلَا يتَصَوَّر الْخُرُوج إِلَّا بخدش فِي جلده ونتف فِي ريشه ، فَهُوَ يَسْتَطِيع أَن يخرج من قفصه ، وَلَكِن بجد وكد ، وَلَا يبتهج فِي أَبنَاء نَوعه كل الابتهاج ، وَلَا يتَنَاوَل من فواكه الرياض كَمَا يَنْبَغِي لما أَصَابَهُ من الخدش والنتف ، وَهَؤُلَاء هم الَّذين خلطوا عملا صَالحا وَأخر سَيِّئًا ، وعوائقهم هَذِه هِيَ الصَّغَائِر بِحَسب حِكْمَة الْبر والاثم وَقد أَشَارَ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيث الصِّرَاط إِلَى هَذِه الثَّلَاثَة حَيْثُ قَالَ : " سَاقِط فِي النَّار ، ومخردل نَاجٍ ، ومخدوش نَاجٍ " وَالله أعلم .