بِالصَّوْمِ ، وَهُوَ قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فَإِن الصَّوْم لَهُ وَجَاء " .
وَالصَّوْم حَسَنَة عَظِيمَة يقوى الملكية ، ويضعف البهيمية ، وَلَا شَيْء مثله فِي صيقلة وَجه الرّوح وقهر الطبيعة ، وَلذَلِك قَالَ الله تَعَالَى : " الصَّوْم لي وَأَنا أجزى بِهِ " ، وَيكفر الْخَطَايَا بِقدر مَا اضمحل من سُورَة البهيمية ، وَيحصل بِهِ تشبه عَظِيم بِالْمَلَائِكَةِ ، فيحبونه ، فَيكون مُتَعَلق الْحبّ أثر ضعف البهيمية ، وَهُوَ قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لخلوف فَم الصَّائِم أطيب عِنْد الله من ريح الْمسك " وَإِذا جعل رسما مَشْهُورا نفع عَن غوائل الرسوم وَإِذا الْتَزمهُ أمة من الْأُمَم سلسلت شياطينها ، وَفتحت أَبْوَاب جنانها ، وغلقت أَبْوَاب النيرَان عَنْهَا .
وَالْإِنْسَان إِذا سعى فِي قهر النَّفس وَإِزَالَة رذائلها كَانَت لعملة صُورَة تقديسية فِي الْمِثَال ، وَمن أزكياء العارفين من يتَوَجَّه إِلَى هَذِه الصُّورَة ، فيمد من الْغَيْب فِي علمه ، فيصل إِلَى الذَّات من قبل التَّنْزِيه وَالتَّقْدِيس ، وَهُوَ معنى قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الصَّوْم لي وَأَنا أجزى بِهِ " .
وَرُبمَا يتفطن الْإِنْسَان بِضَرَر توغله فِي معاشه وامتلاء حواسه مِمَّا يدْخل عَلَيْهِ من خَارج ، وينفع التفرغ لِلْعِبَادَةِ فِي مَسْجِد بني للصلوات ، فَلَا يُمكنهُ إدامة ذَلِك ، وَمَا لَا يدْرك كُله لَا يتْرك كُله ، فيختطف من أَحْوَاله فرصا ، فيعتكف مَا قدر لَهُ ، ويتلوه المتلقي لَهُ من الْمخبر الصَّادِق بِشَهَادَة قلبه ، والعامي المغلوب عَلَيْهِ كَمَا مر .
وَرُبمَا يَصُوم وَلَا يَسْتَطِيع تَنْزِيه لِسَانه إِلَّا بالاعتكاف .
وَرُبمَا يطْلب لَيْلَة الْقدر واللصوق بِالْمَلَائِكَةِ فِيهَا ، فَلَا يتَمَكَّن مِنْهَا إِلَّا بالاعتكاف ويسأتيك معنى لَيْلَة الْقدر وَالله أعلم .
( بَاب أسرار الْحَج )
اعْلَم أَن حَقِيقَة الْحَج اجْتِمَاع جمَاعَة عَظِيمَة من الصَّالِحين فِي زمَان يذكر حَال الْمُنعم عَلَيْهِم من الْأَنْبِيَاء وَالصديقين ، وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ ، وَمَكَان فِيهِ آيَات بَيِّنَات ، قد قَصده جماعات من أَئِمَّة الدّين معظمين لشعائر الله ومتضرعين راغبين وراجين من الله الْخَيْر وتكفير الْخَطَايَا ، فَإِن الهمم إِذا اجْتمعت بِهَذِهِ الْكَيْفِيَّة لَا يتَخَلَّف عَنْهَا نزُول الرَّحْمَة وَالْمَغْفِرَة ، وَهُوَ
حجة الله البالغة — صفحة 141
مساهمون: ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )
ص١٤١