قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا رؤى الشَّيْطَان يَوْمًا هُوَ فِيهِ أَصْغَر وَلَا أَدْحَر وَلَا أَحْقَر وَلَا أَغيظ مِنْهُ فِي يَوْم عَرَفَة " الحَدِيث .
وأصل الْحَج مَوْجُود فِي كل أمة لَا بُد لَهُم من مَوضِع يتبركون بِهِ لما رَأَوْا من ظُهُور آيَات الله فِيهِ ، وَمن قرابين وهيئات مأثورة عَن أسلافهم يلتزمونها بهَا ؛ لأنها تذكر المقربين وَمَا كَانُوا فِيهِ .
وأحق مَا يحجّ إِلَيْهِ بَيت الله ، فِيهِ آيَات بَيِّنَات ، بناه إِبْرَاهِيم صلوَات الله عَلَيْهِ الْمَشْهُود لَهُ بِالْخَيرِ على أَلْسِنَة أَكثر الْأُمَم بِأَمْر الله ووحيه بعد أَن كَانَت الأَرْض قفرا وعرا ، إِذْ لَيْسَ غَيره محجوج إِلَّا وَفِيه إشراك أَو اختراع مَا لَا أصل لَهُ .
وَمن بَاب الطَّهَارَة النفسانية الْحُلُول بِموضع لم يزل الصالحون يعظمونه ، وَيحلونَ فِيهِ ، ويعمرونه بِذكر الله ، فَإِن ذَلِك يجلب تعلق همم الْمَلَائِكَة السفلية ، ويعطف عَلَيْهِ دَعْوَة الْمَلأ الْأَعْلَى الْكُلية لأهل الْخَيْر ، فَإِذا حل بِهِ غلب ألوانهم على نَفسه ، " وَقد شاهدت ذَلِك رَأْي عين " .
وَمن بَاب ذكر الله تَعَالَى رُؤْيَة شَعَائِر الله وتعظيمها ، فَإِنَّهَا إِذا رؤيت ذكر الله كَمَا يذكر الْمَلْزُوم اللازام لَا سِيمَا عِنْد الْتِزَام هيئات تَعْظِيمه وقيود وحدود تنبه النَّفس تَنْبِيها عَظِيما .
وَرُبمَا يشتاق الْإِنْسَان إِلَى ربه أَشد شوق ، فَيحْتَاج إِلَى شَيْء يقْضِي بِهِ شوقه فَلَا يجد إِلَّا الْحَج .
وكما أَن الدولة تحْتَاج إِلَى عرضة بعد كل مُدَّة ؛ ليتميز الناصح من الغاش والمنقاد من المتمرد ، وليرتفع الصيت ، وَتَعْلُو الْكَلِمَة ، ويتعارف أَهلهَا فِيمَا بَينهم ، فَكَذَلِك الْملَّة تحْتَاج إِلَى حج ليتميز الْمُوفق من الْمُنَافِق ،
وليظهر دُخُول النَّاس فِي دين الله أَفْوَاجًا ، وليرى بَعضهم بَعْضًا ، فيستفيد كل وَاحِد مَا لَيْسَ عِنْده ، إِذْ الرغائب إِنَّمَا تكتسب بالمصاحبة والترائي .
وَإِذا جعل الْحَج رسما مَشْهُورا نفع من غوائل الرسوم ، وَلَا شَيْء مثله فِي تذكر الْحَالة الَّتِي كَانَ فِيهَا أَئِمَّة الْملَّة والتحضيض على الْأَخْذ بهَا .
وَلما كَانَ الْحَج سفرا شَائِعا وَعَملا شاقا لَا يتم إِلَّا بِجهْد الْأَنْفس كَانَ مُبَاشَرَته خَالِصَة لله مكفرا للخطايا هادما لما قبله بِمَنْزِلَة الْإِيمَان .
حجة الله البالغة — صفحة 142
مساهمون: ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )
ص١٤٢