وَمِنْهَا تقريبات ترد على الْبشر من غير اخْتِيَاره كالمصائب والأمراض ، فتعد من بَاب الْبر لمعان :
مِنْهَا أَن الرَّحْمَة إِذا تَوَجَّهت إِلَى عبد بصلاح عمله ، واقتضت الْأَسْبَاب التضيق عَلَيْهِ انصرفت إِلَى تَكْمِيل نَفسه ، فكفرت خطاياه ، وكتبت لَهُ
الْحَسَنَات ، كَمَا إِذا صد نبع المَاء نبع المَاء من فَوْقه وَمن تَحْتَهُ ، فينسب الإجراء إِلَى ذَلِك التضيق ، والسر فِي الْمُحَافظَة على الْخَيْر النسبي .
وَمِنْهَا أَن الْمُؤمن إِذا اشتدت بِهِ المصائب ضَاقَتْ عَلَيْهِ الأَرْض بِمَا رَحبَتْ ، فانكسر حجاب الطَّبْع والرسم ، وانقلع قلبه إِلَّا عَن الله ، أما الْكَافِر ، فَلَا يزَال يتَذَكَّر الْفَائِت ، ويغوص فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا حَتَّى يصير أَخبث مِنْهُ قبل أَن يُصِيبهُ مَا أصَاب .
وَمِنْهَا أَن حَامِل السيئات المتحجرة إِنَّمَا هُوَ البهيمية الغليظة الكثيفة ، فَإِذا مرض وَضعف ، وتحلل مِنْهُ أَكثر مِمَّا يدْخل فِيهِ اضمحل كثير من الْحَامِل ، وانتقص بِقدر ذَلِك الْمَحْمُول ، كَمَا نرى أَن الْمَرِيض يَزُول شبقه وغضبه ، وتبدل أخلاقه ، وينسى كثيرا مِمَّا كَانَ فِيهِ كَأَنَّهُ لَيْسَ الَّذِي كَانَ .
وَمِنْهَا أَن الْمُؤمن إِذا انفكت بهيميته عَن ملكيته نوع انفكاك أَخذ على سيآته فِي الدُّنْيَا غَالِبا ، وَذَلِكَ حَدِيث " نصيب الْمُؤمن من الْعَذَاب نصب الدُّنْيَا " " وَالله اعْلَم .
( بَاب طَبَقَات الاثم )
اعْلَم أَنه كَمَا أَن لانقياد البهيمية للملكية أعمالا هِيَ أشباحه ومظانه وَالسّنَن الكاسبة لَهُ ، فَكَذَلِك للحالة المضادة لإنقياد كل المضادة أَعمال ومظان وكواسب ، وَهِي الآثام ، وَهِي على مَرَاتِب ،
الْمرتبَة الأولى : أَن ينسد سَبيله إِلَى الْكَمَال الْمَطْلُوب رَأْسا ، ومعظم ذَلِك فِي نَوْعَيْنِ :
أَحدهمَا : مَا يرجع إِلَى المبدأ بألا يعرف أَن لَهُ رَبًّا ، أَو يعرف متصفا بِصِفَات المخلوقين ، أَو يعْتَقد فِي مَخْلُوق شَيْء من صِفَات الله : فَالثَّانِي التَّشْبِيه ، وَالثَّالِث الْإِشْرَاك ، فَإِن النَّفس لَا تقدس أبدا حَتَّى تجْعَل مطمح بصيرتها
التجرد الفوقاني ، وَالتَّدْبِير الْعَام الْمُحِيط بالعالم ، فَإِذا فقدت هَذِه بقيت مَشْغُولَة بِنَفسِهَا ، أَو بِمَا هُوَ مثل نَفسهَا فِي التقيد كل الشّغل لَا يقْدَح حجاب النكرَة ، وَلَا مَوضِع أبرة ، فَهَذَا هُوَ الْبلَاء كل الْبلَاء .
حجة الله البالغة — صفحة 144
مساهمون: ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )
ص١٤٤