تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجة الله البالغة — صفحة 135

مساهمون:

ص١٣٥
كَمَال الْإِنْسَان ، وَأَنه ارتضاها مِنْهُ بارئه وَأَن فِيهَا فَوَائِد لَا تحصى ، فَصدقهُ بِشَهَادَة قلبه ، فَفعل مَا أَمر بِهِ ، فَوجدَ مَا أخبر بِهِ حَقًا ، وَفتحت عَلَيْهِ أَبْوَاب الرَّحْمَة وانصبغ بصبغ الْمَلَائِكَة ، ويتلوه رجل لَا يعلم شَيْئا من ذَلِك لَكِن قَادَهُ الْأَنْبِيَاء وألجأوه إِلَى هيئات تعدله فِي معاده للإنسلاك فِي سلك الْمَلَائِكَة ، وَأُولَئِكَ قوم جروا بالسلاسل إِلَى الْجنَّة . وَالْحَدَث الَّذِي يحس أَثَره فِي النَّفس بَادِي الرَّأْي ، وَالَّذِي يَلِيق أَن يُخَاطب بِهِ جُمْهُور النَّاس لانضباط مظانه ، وَالَّذِي يكثر وُقُوع مثله ، وَفِي إهمال تَعْلِيمه ضَرَر عَظِيم بِالنَّاسِ - منحصر استقراء فِي جِنْسَيْنِ : أَحدهمَا اشْتِغَال النَّفس بِمَا يجد الْإِنْسَان فِي معدته من الفضول الثَّلَاثَة الرّيح وَالْبَوْل وَالْغَائِط ، فَلَيْسَ من الْبشر أحد إِلَّا وَيعلم من نَفسه أَنه إِذا وجد فِي بَطْنه الرِّيَاح ، أَو كَانَ حاقبل حاقنا خبثت نَفسه ، فَأخذت إِلَى الأَرْض ، وَصَارَت كالحائرة المنقبضة ، وَكَانَ بَينهَا وَبَين انشراحها حجاب ، فَإِذا اندفعت عَنهُ الرِّيَاح ، وتخفف عَنهُ الأخبثان ، وَاسْتعْمل مَا يُنَبه نَفسه للطَّهَارَة كالغسل وَالْوُضُوء ، وجد انشراحا وسروراً ، وَصَارَ كَأَنَّهُ وجد مَا فقد . وَالثَّانِي اشْتِغَال النَّفس بِشَهْوَة الْجِمَاع وغوصها فِيهَا ، فَإِن ذَلِك يصرف وَجه النَّفس إِلَى الطبيعة الْبَهِيمَة بِالْكُلِّيَّةِ ، حَتَّى إِن الْبَهَائِم إِذا ارتضيت ، ومرنت على الْآدَاب الْمَطْلُوبَة ، والجوارح إِذا ذللت بِالْجُوعِ والسهر ، وَعلمت إمْسَاك الصَّيْد على صَاحبهَا ، والطيور إِذا كلفت بمحاكاة كَلَام النَّاس ، وَبِالْجُمْلَةِ كل حَيَوَان أفرغ الْجهد فِي إِزَالَة مَاله من طَبِيعَته واكتساب مَالا تَقْتَضِيه طَبِيعَته ، ثمَّ قضى هَذَا الْحَيَوَان شَهْوَة فرجه وعافس الإناس ، وغاص فِي تِلْكَ اللَّذَّة أَيَّامًا لَا بُد أَن تنسى مَا اكْتَسبهُ ، وَرجع إِلَى عَمه وَجَهل وضلال ، وَمن تَأمل فِي ذَلِك علم لَا محَالة أَن قَضَاء هَذِه الشَّهْوَة يُؤثر فِي تلويث النَّفس مَالا يؤثره شَيْء من كَثْرَة الْأكل والمغامرة وَسَائِر مَا يمِيل النَّفس إِلَى الطبيعة البهيمية ، وليجرب الْإِنْسَان ذَلِك من نَفسه ، وليرجع إِلَى مَا ذكره الأطباء فِي تَدْبِير الرهبان المنقطعين إِذا أُرِيد إرجاعهم إِلَى البهيمية . وَالطَّهَارَة الَّتِي يحس أَثَرهَا بَادِي الرَّأْي ، وَالَّتِي يَلِيق أَن يُخَاطب بهَا جُمْهُور النَّاس لِكَثْرَة وجوج آلتها فِي الإقاليم المعمورة أعنى المَاء وانضباط أمرهَا ، وَالَّتِي هِيَ أوقع الطهارات فِي نفوس الْبشر وكالمسلمات الْمَشْهُورَة بَينهم مَعَ كَونهَا كالمذهب الطبيعي - تَنْحَصِر بالاستقراء فِي جِنْسَيْنِ : صغرى وكبرى .