( بَاب تَعْظِيم شَعَائِر الله تَعَالَى )
قَالَ الله تَعَالَى :
{ وَمن يعظم شَعَائِر الله فَإِنَّهَا من تقوى الْقُلُوب }
اعْلَم أَن مبْنى الشَّرَائِع على تَعْظِيم شَعَائِر الله تَعَالَى ، والتقرب بهَا إِلَيْهِ تَعَالَى ، وَذَلِكَ لما أومأنا إِلَيْهِ من أَن الطَّرِيقَة الَّتِي نصبها الله تَعَالَى للنَّاس هِيَ محاكاة مَا فِي صقع التجرد بأَشْيَاء يقرب تنَاولهَا للبهيمية ، وأعني بالشعائر أمورا ظَاهِرَة محسوسة جعلت ليعبد الله بهَا ، واختصت بِهِ حَتَّى صَار تعظيمها عِنْدهم تَعْظِيمًا لله ، والتفريط فِي جنبها تفريطا فِي جنب الله ، وركز ذَلِك فِي صميم قُلُوبهم لَا يخرج مِنْهُ إِلَّا أَن تقطع قُلُوبهم ، والشعائر إِنَّمَا تصير شَعَائِر
بنهج طبيعي ، وَذَلِكَ أَن تطمئِن نُفُوسهم بعادة وخصلة ، وَتصير من المشهورات الذائعة الَّتِي تلْحق بالبديهيات الأولية ، وَلَا تقبل التشكيك ، فَعِنْدَ ذَلِك تظهر رَحْمَة الله فِي صُورَة أَشْيَاء تستوجبها نُفُوسهم وعلومهم الذائعة فِيمَا بَينهم ، فيقبلونها ويكشف الغطاء عَن حَقِيقَتهَا ، وتبلغ الدعْوَة الأدانى والأقاصى على السوَاء ، فَعِنْدَ ذَلِك يكْتب عَلَيْهِم تعظيمها ، وَيكون الْأَمر بِمَنْزِلَة الْحَالِف باسم الله يضمر فِي نَفسه التَّفْرِيط فِي حق الله إِن حنث ، فيؤاخذ بِمَا يضمر ، وَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ يشْتَهر فِيمَا بَينهم أُمُور تنقاد لَهَا علومهم ، فَيُوجب انقياد علومهم ، لَهَا أَلا تظهر رَحْمَة الله بهم إِلَّا فِيمَا انقادوا لَهُ ، إِذْ مبْنى التَّدْبِير على الأسهل فالأسهل ، وَيُوجب أَيْضا أَن يؤاخذوا أنفسهم بأقصى مَا عِنْدهم من التَّعْظِيم لِأَن كمالهم هُوَ التَّعْظِيم الَّذِي لَا يشوبه إهمال ، وَمَا أوجب الله تَعَالَى شَيْئا على عباده لفائدة ترجع إِلَيْهِ تَعَالَى عَن ذَلِك علوا كَبِيرا ، بل لفائدة ترجع إِلَيْهِم ، وَكَانُوا بِحَيْثُ لَا يكملون إِلَّا بالتعظيم الْأَقْصَى ، فَأخذُوا بِمَا عِنْدهم ، وَأمرُوا أَلا يفرطوا فِي جنب الله ، وَلَيْسَ الْمَقْصُود بِالذَّاتِ فِي الْعِنَايَة التشريعية حَال فَرد بل حَال جمَاعَة كَأَنَّهَا كل النَّاس ، وَللَّه الْحجَّة الْبَالِغَة .
ومعظم شعار الله أَرْبَعَة : الْقُرْآن ، والكعبة ، وَالنَّبِيّ ، وَالصَّلَاة . أما الْقُرْآن فَكَانَ النَّاس شاع فِيمَا بَينهم رسائل الْمُلُوك إِلَى رعاياهم ، وَكَانَ تعظيمهم للملوك مساوقا لتعظيمهم للرسائل ، وشاع صحف الْأَنْبِيَاء ومصنفات غَيرهم ، وَكَانَ تمذهبهم لمذاهبهم مساوقا لتعظيم تِلْكَ الْكتب وتلاوتها ، وَكَانَ الانقياد للعلوم وتلقيها على مر الدهور بِدُونِ كتاب يُتْلَى ، ويروى ، كالمحال بَادِي الرَّأْي ، فاستوجب النَّاس عِنْد ذَلِك أَن تظهر رَحْمَة الله فِي صُورَة كتاب نَازل من رب الْعَالمين ، وَوَجَب تَعْظِيمه ، فَمِنْهُ أَن يستمعوا
حجة الله البالغة — صفحة 133
مساهمون: ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )
ص١٣٣