ثُمَّ مر فيها حتى انتهى إِلَى قوله فِي مدح المعتصم :
تغاير الشعر فيه إذ سهرت له حتى ظننت قوافيه ستقتتل
قَالَ فعقد أَبُو الشيص عند هذا البيت خنصره ، ثُمَّ مر فيها إلى آخرها .
فقلنا زدنا ، فأنشدنا :
دمن ألم بها فَقَالَ سلام كم حل عقدة صبره الإلمام
ثُمَّ أنشدها إلى آخرها ، وَهُوَ يمدح فيها المأمون .
وَاستزدناه ، فأنشدنا قصيدته الَّتِي أولها :
قدك اتئد أربيت فِي الغلواء كم تعذلون وَأنتم سجرائي
حتى انتهى إلى آخرها ، فقلنا له : لمن هذا الشعر ؟ فَقَالَ : لمن أنشدكموه ، قلنا : وَمن تكون ؟ قَالَ : أنا أَبُو تمام حبيب بْن أوس الطائي ، فَقَالَ له أَبُو الشيص : تزعم أن هذا الشعر لك ، وَتقول :
تغاير الشعر فيه إذ سهرت له حتى ظننت قوافيه ستقتتل
قَالَ : نعم ، لأني سهرت فِي مدح ملك ، وَلم أسهر فِي مدح سوقة ، فعرفناه حتى صار معنا فِي موضعنا ، وَلم نزل نتهاداه بيننا ، وَجعلناه كأحدنا ، وَاشتد إعجابنا به لدماثته ، وَظرفه وَكرمه ، وَحسن طبعه ، وَجودة شعره ، وَكَانَ ذلك اليوم أول يوم عرفناه فيه .
ثُمَّ ترقت حاله حتى كَانَ من أمره ما كَانَ أَخْبَرَنِي علي بْن أيوب القمي ، قَالَ : أخبرنا مُحَمَّد بْن عمران الكاتب ، قَالَ : أَخْبَرَنِي الصولي ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْحُسَيْن بْن إسحاق ، قَالَ : قلت للبحتري : الناس يزعمون أنك أشعر من أَبِي تمام فَقَالَ : وَالله ما ينفعني هذا القول وَلا يضير أبا تمام ، وَالله ما أكلت الخبز إِلا به ، وَلوددت أن الأمر كما قالوا ، وَلكني وَالله تابع له ، لائذ به ، آخذ منه ، نسيمي يركد عند هوائه ، وَأرضي تنخفض عند سمائه ،
تاريخ بغداد أو تاريخ مدينة السلام ( تحقيق بشار ) — صفحة 160
مساهمون: بشار عواد معروف
ص١٦٠