ثم نزلت بدار صادق الأخوّة والاعتقاد ، وكامل الفتوّة نور الدين العقاد ، جزاه الله خير الجزاء ، وأولاه عواطفه المتنوعة الأجزاء ، فلقد رأيت منه كمالاً لا أحصيه ، وإفضالاً لا أستقصيه ، ثم لا زلت أتفيأ ظلال هاتيك البلاد ، وأسعى فيها لجوامع العباد ، وأتنزه في قصورها المونقة ، وبساتينها المورقة :
فيا حسن هاتيك الديار وتربها . . . فكم قد حوت حسناً يجلُّ عن العدِّ
ولا سيّما تلك النواعير إنها . . . تجدّدُ حزن الواله المدنَف الفردِ
أُطارحها شجوي وصارت كأنَّما . . . تطارح شجواها بمثل الذي أبدي
وفي شاطئ النيلِ المقدس نزهة . . . تجدد ما قد فات من سالفِ العهدِ
سماءٌ من البلورِ فيها كواكب . . . عجيبة صنع اللون مصقولةِ الخدِ
ومن مرج البحرين أيُّ عجائب . . . تلوح وتبدو من قريب ومن بعدِ
فكم قد نعمنا في ظلال رياضها . . . بعيشٍ هنيء في أمان وفي سعدِ
فمن لي بها لو أن صحبي بحبها . . . ومن لي بها في غير بلوى ولا جهدِ
غريبة
دخلت يوماً إلى الجامع الكبير فرأيت متكلماً ، وقد طال به البحث في مسألة الجوهر الفرد ، إلى أن انجّر الكلام إلى القول بوحدة الوجود ، وقد كثر الهذيان ، فإذا بأشعث
في هيئة المجانين ، وقد تناول كراساً من بين يدي الشيخ ، وكتب على حاشيته شيئاً ونهض كالمغضب ، فإذا المكتوب :
وتكفيك من ذاك المسمّى إشارة . . . ودعه مصوناً بالجمال محجّبا
وبالجملة فإن هاهنا تتطاير الرؤوس من أجسادها ، والنفوس من موادّها ، أو كما قيل :
مرامٌ شطّ مرمى العقل فيه . . . ودون مداه بيد لا تبيدُ
أو كما قيل :
أتيتَ بيوتاً لم تُنل من ظهورها . . . وأبوابها عن قرعِ مثلك سُدّتِ