تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نتائج الفكر في النحو — صفحة 314

مساهمون:

ص٣١٤
وفي الحديث : " مسكين رجل لا زوجة له ! مسكينة امرأة لا زوج لها " . قلنا : لا يخفى على مثل الخليل مثل هذه الشواهد ولكنه أراد منع تقديم الخبر الذي هو خبر محض مجردٌ من المعاني التي هي نحو المدح والذم والترحم والتعظيم وغير ذلك ، لأن تلك المعاني إِذا دخلت في الكلام حسَّنت تأخيرَ المبتدأ ، لأنه قد صار بسببها مفعولا في المعنى ؛ ألا ترى أنك إذا قلت : " حسنٌ زيد ! " ، فإن المعنى : أستحسن زيداً . وإذا قلت : " مسيءٌ عمرو ! " ، فالمعنى : أذُمّ عمراً . وإذا قلت : " مسكين فلان ! " فالمعنى : أرحم فلاناً وأرق له . وأشعرتْ هذه الصفات كلها بهذا المعنى الذي لو لُفظ به مصرحاً لكان مقدماً والاسم مؤخرا . وذلك الاسم هو المبتدأ في اللفظ وهو المذموم أو المرحوم في المعنى . وأما إذا تجرد الخبر من هذه القرائن كلها مثل قولك : " قائم زيد " و " ذاهب عمرو " و " خياط أخوك " فهو الذي أراد الخليل أنه يقبح تقديمه . والله أعلم . وأما ما حكاه سيبويه من قولهم : " قائم أنا " ، فليس " أنا " مبتدأ ، إنما هو تأكيد للمضمر في " قائم " ؛ لأن " قائم " خبر لمبتدأ محذوف ؛ وكان قائلاً قال له : ما أنت ؟ ! فقال : " قائم " . ثم أكد بقوله : " أنا " . ولا يمنع الخليل مثل هذا . فقد يجوز على هذا " فائمٌ زيد ! " إذا سألك سائل أو توهمت منه إرادة السؤال عن زيد ، فتقول : " قائم " ، أي : " هو قائم " ، فيكون حينئذ " زيد " بدلاً من الضمير المستتر في قائم ، وذلك الضمير عائد على أول الكلام لا على " زيد " . فإن عاد على " زيد " لا على شيء في أول الكلام ف‍ " زيد " مبتدأ و " قائم " خبر عنه مقدم ، وهو الذي منعه الخليل . فقف على هذا الأصل تُحكِمْ جميعَ هذا الفصل - إن شاء الله تعالى - وأكثر هذا الكلام قد رأيته للأستاذ " أبي الحسين بن الطراوة " رحمه الله .