تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نتائج الفكر في النحو — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
وإذا كان الأمر كذلك بعد كل ( البعد ) أن تقول : جاءني محمد وأبو عبد الله . وهو هو ، أو : " رضي الله عن عتيق وأبي بكر " ( وقد علم أن أبا بكر هو عتيق ، لأنك عطفت الشيء على نفسه ، و " الواو " إنما تجمع بين الشيئين لا بين الشيء الواحد ، فإن كان في الاسم الثاني فائدة زائدة على معنى الاسم الأول ، كنت مخيراً بين العطف وتركه ، فإن عطفت فمن حيث قصدت تعداد الصفات ، وهي متغايرة ، وإن لم تعطف فمن حيث كان في كل واحد منها ضمير هو الأول ، فتقول في الوجه الأول : زيد شاعر وكاتب ، وعلى الثاني : شاعر كاتب . كأنك عطفت بالواو الكتابة على الشعر ، وحين لم تعطف أتبعت الثاني الأول ، لأنه هو ، من حيث اتحد الحامل للصفات . فأما في كتاب الله - تعالى - فقلما تجد أسماءه الحسنى معطوفة بالواو ، نحو : ( الرحمن الرحيم ) و ( العزيز الحكيم ) و ( الملك القدوس ) ، إلى آخرها . لأنها أسماء له - سبحانه - ، والمسمى بها واحد ، فلم تجر مجرى تعداد الصفات المتغايرة ولكن مجرى الأسماء المترادفة ، نحو : الأسد والليث ، وغير ذلك . فأما فوله سبحانه : ( هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ) ، فلأنها ألفاظ متضادة المعاني في أصل موضوعها ، فكان دخول " الواو " صرفاً لوهم المخاطب - قبل التفكر والنظر - وعن توهم المحال ، واجتماع الأضداد من المحال ، لأن الشيء لا يكون ظاهراً باطناً من وجه واحد ، وإنما يكون ذلك من وجهين مختلفين ، فكان العطف ههنا أحسن من تركه ، لهذه الحكمة الظاهرة ، بخلاف ما تقدم مما لا يستحيل اجتماعه من الصفات في محل واحد . وأما قوله سبحانه وتعالى : ( غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ ) فإنما حسن العطف بين الاسمين الأولين لكونهما من صفات الأفعال . وفعله - سبحانه - في غيره لا في نفسه ، فدخل حرف العطف للمغايرة الصحيحة بين المعنيين ، ولتنزلهما منزلة الجملتين ، لأنه - سبحانه - يريد تنبيه العباد على أنه يفعل