تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نتائج الفكر في النحو — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
هذا الموطن بالتنبيه ، وقلما يتكلمون به في المبهم الغائب ، لأن كاف الخطاب تغني عنها ، مع أن المخاطب مأمور بالالتفات بلحظه إلى المبهم الحاضر ، فكان التنبيه في أول الكلام أولى بهذا الموطن ، لأنه بمنزلة الأمر الذي له صدر الكلام . وعندي أن حرف التنبيه بمنزلة حرف النداء وسائر حُروف المعاني لا يجوز أن تعمل معانهيا في الأحوال ولا في الظروف ، كما لا يعمل معنى الاستفهام الذي في " هل " ومعنى النفي الذي في " ما " . ولا نعلم حرفاً يعمل معناه في الحال والظرف إلا كان وحدها ، لحكمه تذكر في بابها إن شاء الله تعالى . فدع عنك ما شغبوا به في مسائل الحال في هذا الباب ، من قولهم : هذا قائماً زيد ، و : قائماً هذا زيد ، فإنه لا يصح من ذلك إلا تأخير الحال عن الاسم الذي هو " ذا " لأن العامل فيها معنى الإشارة " دون " التثنية فلا يصح تقدمها والعامل معنوي . فإن قيل : ولم جاز أن يعمل فيها معنى الإشارة ، ولم يجز أن يعمل فيها معنى التنبيه ، وكلاهما معنى غير ملفوظ به ؟ قلنا : معنى الإشارة تدل عليه قرائن الحال من الإيماء باللحظ واللفظ الخارج من طرف اللسان وهيئة المتكلم ، فقامت تلك الدلالة مقام التصريح بلفظ الإشارة ، لأن الدال على كلام النفس إما لفظ وإما إشارة وإما حق ، فقد جرت الإشارة مجرى اللفظ ، فلتعمل فيما عمل فيه اللفظ - وإن لم تقو قوته - في جميع أحكام العمل . وأصح من هذا كله عندي أن معنى الإشارة ليس هو العامل ، إذ الاسم الذي هو " هذا " ليس بمشتق من أشار بشير ، ولو جاز أن تعمل أسماء الإشارة لجاز أن تعمل علامات الإضمار لأنها أيضاً إيماء وإشارة إلى مذكور ، وإنما العامل فعل مضمر تقديره : " انظر " ، وأضمر لدلالة الحال عليه من التوجه واللفظ . وقد قالوا : " لمن الدار مفتوحا بابها " فاعملوا في الحال معنى " انظر " ، ودل عليه التوجه إليه من المتكلم بوجهة نحوها ، فكذلك : ( وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا ) ، وهذا أقوى في الدلالة لاجتماع اللفظ مع التوجه .