وإذا ثبت هذا فالمضمرات في كلام العرب نحو من ستين ، ( منها ) منفصل
يختص بالرفع نحو : أنا وأنت . ومنها متصل مختص بالرفع ، ومنها ما يختص
بالنصب متصلا ومنفصلًا .
وأما ما يختص بالخفض فلا يكون إلا متصلاً بما قبله ، لأن
المخفوض كله نوع واحد ولا يكون إلا متصلًا بما قبله اتصال البعض بالكل . وكل ما ذكرناه معلوم ، وإنما قصدنا كشف أسرار الباب والتنبيه من واضع اللغة في تخصيص ألفاظ المضمرات بما اختصت به ، فنبدأ بضمير المتكلم المنفصل فنقول :
إن المتكلم لما استغنى عن الظاهر في حال الإخبار ، لدلالة المشاهدة عليه .
جعل مكانه لفظاً يومئ به إليه ، وذلك اللفظ مؤلف من " همزة " و " نون " ، أما
" الهمزة " فلأن مخرجها من الصدر ، وهو أقرب مواضع الصوت إلى المتكلم إذ
المتكلم في الحقيقة محله وراء حبل الوريد ، ألا ترى إلى قوله سبحانه :
( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ( 16 ) .
ألا تراه - تعالى - يقول : ( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ )
يعني : ما يلفظ المتكلم فإذا كان المتكلم على الحقيقة محله هناك ، وأردت من الحروف ما يكون عبارة عنه ، فأولاها بذلك ما كان مخرجه من جهته وأقرب المواضع إلى محله ، وليس إلا " الهمزة " أو " الهاء " والهمزة أحق بالمتكلم لقوتها بالجهر والشدة ، وضعف الهاء بالخفاء ، فكان ما هو أجهر وأقوى أولى بالتعبير عن اسم المتكلم الذي الكلام صفة له ، وهو أحق بالاتصاف به وأما تآلفها مع " النون " ، فلما كانت " الهمزة " بانفرادها لا تكون اسما منفصلًا ، كان أولى ما وصلت به النون أو حروف المد واللين ، إذ هي
أمهات الزوائد ، ولم تكن حروف المد مع " الهمزة " ، لذهابها عند التقاء الساكنين إذا قلت : أنا الرجل ، و : أنا الغلام ، و : أنا المخبر ، وهذا كثير من كلام فلو حذف الحرف الثاني لبقيت " الهمزة " في أكثر الكلام منفردة مع لام التعريف ، فتلتبس بالألف التي هي أخت اللام ، فيختل أكثر الكلام .
فكان أولى ما قرن به النون لقربها من حروف المد واللين .
ثم بينوا النون - لخفائها - بألف في حال السكت ، أو بهاء في لغة من قال : إنه .
نتائج الفكر في النحو — صفحة 171
مساهمون: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
ص١٧١