واحد منهم مكلَّم ومقصود بالكلام الذي هو اللفظ ، ومن أجله احتيج إلى التعبير بالألفاظ عن الكلام الذي في نفس المتكلم فجعلت ( الكاف ) المبدوء بها في لفظ ( الكلام ) علامة إضمار التكلم ، ألا تراها لا تقع علامة إضمار له إلا بعد كلام كالفعل والفاعل نحو : ضربتك ، لأن الفعل والفاعل كلام ، والفعل وحده دون الفاعل لا يسمى كلاماً ، فلذلك لم يكن علامة المضمر " كاف " إلا بعد كلام من فعل وفاعل ، أو مبتدأ وخبر ، نحو : ضربتك ، و : هذا غلامك .
ولم يقل في ذهبت : ذهبك ، ولا في قصدت : قصدك ، لأن " ذهب " ليس
بكلام إلا بعد ذكر فاعلها كما تقدم .
فإن قيل : فالمتكلم أيضاً " هو " صاحب الكلام ، فهو أحق بأن تكون الكاف
المأخوذة من لفظ الكلام علامة لاسمه ؟
قلنا : الكاف لفظ فهي أحق بالمخاطب ، لأن الكلام لم يكن لفظا إلا من
أجله ، ولولا المتكلم المخاطب ما احتيج إلى التعبير عن الكلام القائم بالنفس بعبارة ولا إشارة .
فعمدة " الكلام " الذي هو اللفظ إنما هو التكلم المخاطب ، فالكاف الذي
هو جزء من لفظ الكلام أولى به .
وأما ضمير الغائب المنفصل ف " هاء " بعدها " واو " خصت " الهاء " بذلك ، لأن
الغائب لما كان مذكوراً بالقلب واستغنى عن اسمه الظاهر بتقدمه ، كانت الهاء التي مخرجها من الصدر قريبا من محل الذكر ، أولى بأن تكون عبارة عن المذكور بالقلب ، ولم تكن " الهمزة " لأنها مجهورة شديدة ، فكانت أولى بالمتكلم الذي هو أظهر ، والهاء - لخفائها - أولى بالغائب ، الذي هو أخفى وأبطن ، ثم وصلت بالواو لأنه لفظ يرمز به إلى المخاطب ، ليعلم ما في النفس من مذكور .
والرمز بالشفتين ، والواو مخرجها من هناك ، فخصت بذلك . ثم طردوا أصلهم من ضمير الغائب المنفرد فجعلوه في جميع أحواله " هاء " ، إلا في الرفع . وإنما فعلوا ذلك لأنهم رأوا الفرق بين الحالات واقعاً باختلاف الضمير ، لأنه إذا دخلت عليه حروف الجر كسرت " الهاء " لضرورة اللفظ ، وانقلبت واوه ياء .
وإذا لم يدخل عليه بقي مضموماً على أصله .
نتائج الفكر في النحو — صفحة 174
مساهمون: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
ص١٧٤