قَالَ خَلَفُ بنُ تميمٍ : سَمِعتُ مِن سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَشَرَةَ آلافِ حَدِيثٍ ، أَوْ نحوَها ، فَكُنتُ استفهمُ جَليْسي ، فقلتُ لزائدةَ ، فَقَالَ لي : لا تحدِّثْ مِنها إلاَّ بما تَحْفَظُ بقلبِكَ ، وتَسْمَعُ بأُذُنِكَ . قَالَ : فألقيتُها ( 1 ) .
( و ) أَيْضاً ، فالحافظُ أَبُو مُحَمَّدٍ ( خَلَفُ بنُ سَالِمٍ ) المُخَرِّمِيُّ - بتشديدِ الرّاءِ المكسورةِ - نسبةً إلى ( ( المُخَرِّمِ ) ) مَحلَّةٍ ببغدادَ ( 2 ) ( قَدْ قَالَ : نَا ) مُقتصراً عَلَى النُّونِ والألفِ ( إِذْ فَاتَهُ ( ( حَدَّثَ ) ) مِنْ حَدَّثَنَا مِن قَوْلِ ) شيخِهِ ( سُفْيَانَ ) ابنِ عُيَيْنَةَ ، حِيْنَ تَحْدِيثِهِ عَنْ عَمْرِو بنِ دينارٍ .
فَكانَ يُقالُ لَهُ : قُلْ : حَدَّثَنَا ، فَيَمْتَنِعُ ، وَيَقُولُ : إنَّه لِكَثْرةِ الزِّحامِ عِنْدَ سُفْيَانَ ، لَمْ أسْمَعْ شيئاً مِن حُروفِ ( ( حَدَّثَ ) ) ( 3 ) .
هَذَا ( وسُفْيَانُ ) شَيْخُهُ ( اكْتَفَى بِ ) سَمَاعِ ( لَفْظِ مُسْتَمْلٍ عَنِ الْمُمْلِي ) أي : لَفظِهِ ؛ إِذْ الْمستمْلِي ( اقْتَفى ) أي : اتَّبعَ لفظَ الْمُمْلِي .
وَذَلِكَ أنَّ أبا مُسْلِمٍ المُسْتَملِي ، قَالَ لِسُفْيَانَ : الناسُ كَثِيْرٌ لاَ يَسْمَعونَ . فَقَالَ : أتسمعُ أنتَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : فأسْمِعْهُم ( 4 ) .
ولعلَّ سَمَاعَ خَلَفٍ لَمْ يَكُنْ في الإملاءِ .
وَهذا هُوَ الذِي عَلَيْهِ العَمَلُ مِنَ الأكابرِ الَّذينَ كَانَ يعظمُ الجمعُ فِي مَجالِسِهِم ، أنَّ مَنْ سَمعَ المُسْتَمْلِي دُوْنَ الْمُمْلِي ، جازَ لَهُ أنْ يَرْويَهُ عَنِ الْمُمْلِي ، لَكِنْ بشرطِ أنْ يسمعَ الْمُمْلِي لفظَ المُسْتَمْلِي ، كالعرضِ ؛ لأنَّ المسْتَمْلِي في حُكْمِ القارئِ عَلَى الْمُمْلِي ( 5 ) .
وحينئذ ، فَلا يُقال في الأداءِ لِذلِكَ : ( ( سَمِعْتُ فلاناً ) ) ، كَمَا مَرَّ في العَرْضِ ، بَلِ الأحوطُ بيانُ الواقِعِ ، كَمَا فَعَلَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الأئِمَّةِ .
هامش
( 1 ) الكفاية : ( 126 ت ، 70 ه ) ، وقال السخاوي في فتح المغيث 2 / 54 : ( ( وحكي عن أبي حنيفة مثله ) ) .
( 2 ) الأنساب 5 / 105 ، ومعجم البلدان 5 / 71 .
( 3 ) الكفاية : ( 125 ت ، 69 ه ) ، وانظر : شرح التبصرة والتذكرة 2 / 123 ، والنكت الوفية 252 / أ .
( 4 ) الكفاية : ( 127 - 128 ت ، 72 ه ) .
( 5 ) انظر : فتح المغيث للسخاوي 2 / 55 .