تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي ) — صفحة 316

مساهمون:

ص٣١٦
الْأَصْحَابِ : تُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ بِرِفْقٍ ، كَأَخْذِ الدُّيُونِ ، فَالصَّوَابُ الْجَزْمُ بِأَنَّ هَذِهِ الْهَيْئَةَ بَاطِلَةٌ مَرْدُودَةٌ عَلَى مَنِ اخْتَرَعَهَا ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا أَحَدَ مِنَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ فَعَلَ شَيْئًا مِنْهَا مَعَ أَخْذِهِمِ الْجِزْيَةَ ، وَقَدْ قَالَ الرَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْجِزْيَةِ : الْأَصَحُّ عِنْدَ الْأَصْحَابِ : تَفْسِيرُ الصَّغَارِ بِالْتِزَامِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ وَجَرَيَانِهَا عَلَيْهِمْ ، وَقَالُوا : أَشَدُّ الصَّغَارِ عَلَى الْمَرْءِ أَنْ يُحْكَمَ عَلَيْهِ بِمَا لَا يَعْتَقِدُهُ وَيَضْطَرَّ إِلَى احْتِمَالِهِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . فَصْلٌ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ طَلَبَ الْجِزْيَةَ مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ وَهُمْ : تَنُوخُ وَبَهْرَاءُ وَبَنُو تَغَلِبَ ، وَهُمْ قَبَائِلُ مِنَ الْعَرَبِ تَنَصَّرُوا لَا يُعْلَمُ مَتَى تَنَصَّرُوا ، وَهُمْ مُقِرُّونَ بِالْجِزْيَةِ ، فَقَالُوا : نَحْنُ عَرَبٌ لَا نُؤَدِّي مَا يُؤَدِّي الْعَجَمُ ، فَخُذْ مِنَّا مَا يَأْخُذُ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ، يَعْنُونَ الزَّكَاةَ ، فَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : هَذَا فَرْضُ الْمُسْلِمِينَ ، فَقَالُوا : زِدْ مَا شِئْتَ بِهَذَا الِاسْمِ لَا بَاسْمِ الْجِزْيَةِ ، فَرَاضَاهُمْ عَلَى أَنْ تُضَعَّفَ عَلَيْهِمُ الزَّكَاةُ ، قَالَ الْأَصْحَابُ : وَلَمْ يُخَالِفْ عُمَرَ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فَصَارَ كَالْإِجْمَاعِ ، وَعَقْدُ الذِّمَّةُ لَهُمْ مُؤَبَّدًا ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ نَقْضُ مَا فَعَلَهُ ، قَالُوا : وَفِيهِ إِشْكَالٌ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ فِيهِمْ مَنْ يُقِلُّ مَالُهُ الزَّكَوِيُّ ، فَيَكُونُ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ أَقَلَّ مِنْ دِينَارٍ ، وَرُبَّمَا قَلَّتْ أَمْوَالُهُمُ الزَّكَوِيَّةُ ، فَيَنْقُصُ الْمَأْخُوذُ عَنْ دِينَارٍ لِكُلِّ رَأْسٍ ، الثَّانِي : أَنَّهُ وَإِنْ وَفَّى الْمَأْخُوذَ بِدِينَارٍ لِكُلِّ رَأْسٍ ، فَرُبَّمَا كَانَ فِيهِمْ مَنْ لَا يَمْلِكُ مَالًا زَكَوِيًّا فَيَكُونُ قَدْ قَرَّرَ بِلَا جِزْيَةٍ ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ ، وَإِنْ بَذَلَ غَيْرُهُ أَكْثَرَ مِنْ دِينَارٍ ، كَمَا لَوْ قَالَ وَاحِدٌ : خُذُوا مِنِّي عَشْرَةَ دَنَانِيرَ عَلَى أَنْ لَا جِزْيَةَ عَلَى تِسْعَةٍ مَعِي ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - سَأَلَ عَنْ هَذِهِ الْأُمُورِ ، وَأُجِيبَ عَنِ الْأَوَّلِ بِأَنَّ فِعْلَهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الْمَأْخُوذَ لَا يَنْقُصُ عَنْ
روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي ) — صفحة 316 | النووي / زهير الشاويش