كِتَابُ الْهِبَةِ
قَسَّمَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الْعَطَايَا ، فَقَالَ : تَبَرُّعُ الْإِنْسَانِ بِمَالِهِ عَلَى غَيْرِهِ يَنْقَسِمُ إِلَى مُعَلَّقٍ بِالْمَوْتِ
[ وَهُوَ ] الْوَصِيَّةُ ، وَإِلَى مُنْجَزٍ فِي الْحَيَاةِ ، وَهُوَ ضَرْبَانِ : أَحَدُهُمَا : تَمْلِيكٌ مَحْضٌ ، كَالْهِبَاتِ وَالصَّدَقَاتِ ، وَالثَّانِي : الْوَقْفُ . وَالتَّمْلِيكُ الْمَحْضُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ : الْهِبَةُ ، وَالْهَدِيَّةُ ، وَصَدَقَةُ التَّطَوُّعِ ، وَسَبِيلُ ضَبْطِهَا أَنْ نَقُولَ : التَّمْلِيكُ لَا بِعِوَضٍ هِبَةٌ ، فَإِنِ انْضَمَّ إِلَيْهِ حَمْلُ الْمَوْهُوبِ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانِ الْمَوْهُوبِ لَهُ إِعْظَامًا لَهُ ، أَوْ إِكْرَامًا فَهُوَ هَدِيَّةٌ ، وَإِنِ انْضَمَّ إِلَيْهِ كَوْنُ التَّمْلِيكِ لِلْمُحْتَاجِ تَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَطَلَبًا لِثَوَابِ الْآخِرَةِ ، فَهُوَ صَدَقَةٌ ، فَامْتِيَازُ الْهَدِيَّةِ عَنِ الْهِبَةِ بِالنَّقْلِ وَالْحَمْلِ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ ، وَمِنْهُ إِهْدَاءُ النَّعَمِ إِلَى الْحَرَمِ ، وَلِذَلِكَ لَا يَدْخُلُ لَفْظُ الْهَدِيَّةِ فِي الْعَقَارِ بِحَالٍ ، فَلَا يُقَالُ : أَهْدَى إِلَيْهِ دَارًا ، وَلَا أَرْضًا ، وَإِنَّمَا يُطْلَقُ ذَلِكَ فِي الْمَنْقُولَاتِ كَالثِّيَابِ ، وَالْعَبِيدِ ، فَحَصَلَ مِنْ هَذَا أَنَّ هَذِهِ الْأَنْوَاعَ تَفْتَرِقُ بِالْعُمُومِ ، وَالْخُصُوصِ ، فَكُلُّ هَدِيَّةٍ ، وَصَدَقَةٍ هِبَةٌ ، وَلَا تَنْعَكِسُ . وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَهَبُ فَتَصَدَّقَ حَنِثَ ، وَبِالْعَكْسِ لَا يَحْنَثُ ، وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ هَلْ يُشْتَرَطُ فِي حَدِّ الْهَدِيَّةِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْمُهْدِي وَالْمُهْدَى إِلَيْهِ رَسُولٌ أَوْ مُتَوَسِّطٌ أَمْ لَا ؟ فَحَكَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ ، فِيمَا إِذَا حَلَفَ لَا يَهْدِي إِلَيْهِ ، فَوَهَبَ لَهُ خَاتَمًا ، أَوْ نَحْوَهُ يَدًا بِيَدٍ ، هَلْ يَحْنَثُ ؟ وَجْهَيْنِ ، وَالْأَصَحُّ : أَنَّهُ لَا يَشْتَرِطُ ، وَيَنْتَظِمُ أَنْ يَقُولَ لِمَنْ حَضَرَ عِنْدَهُ : هَذِهِ هَدِيَّتِي أَهْدَيْتُهَا لَكَ . وَهَذِهِ الْأَنْوَاعُ الثَّلَاثَةُ مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا ، وَتَفْتَرِقُ فِي أَحْكَامٍ ، وَتَشْتَرِكُ فِي أَحْكَامٍ ، وَسَيَأْتِي بَيَانُهَا - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - .
روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي ) — صفحة 364
مساهمون: النووي
ص٣٦٤