تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام ) — صفحة 262

مساهمون:

ص٢٦٢
فَعَلَهُ وَإِلَّا عَطَّلَهُ ، فَإِنَّ هَذَا يُنَافِي الِانْقِيَادَ ، وَيَقْدَحُ فِي الِامْتِثَالِ , قَالَ الْقُرْطُبِيُّ نَاقِلًا عَنِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ : فَمَنْ سَأَلَ مُسْتَفْهِمًا رَاغِبًا فِي الْعِلْمِ وَنَفْيِ الْجَهْلِ عَنْ نَفْسِهِ ، بَاحِثًا عَنْ مَعْنًى يَجِبُ الْوُقُوفُ فِي الدِّيَانَةِ عَلَيْهِ . فَلَا بَأْسَ بِهِ ، فَشِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ . وَمَنْ سَأَلَ مُتَعَنِّتًا غَيْرَ مُتَفَقِّهٍ وَلَا مُتَعَلِّمٍ ، فَهُوَ الَّذِي لَا يَحِلُّ قَلِيلُ سُؤَالِهِ وَلَا كَثِيرُهُ . قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ 1 : الَّذِي يَنْبَغِي لِلْعَالِمِ أَنْ يَشْتَغِلَ بِهِ هُوَ بَسْطُ الْأَدِلَّةِ ، وَإِيضَاحُ سُبُلِ النَّظْرَةِ ، وَتَحْصِيلُ مُقَدِّمَاتِ الِاجْتِهَادِ ، وَإِعْدَادُ الْآلَةِ الْمُعِينَةِ عَلَى الِاسْتِمْدَادِ . قَالَ : فَإِذَا عَرَضَتْ نَازِلَةٌ ، أُتِيَتْ مِنْ بَابِهَا ، وَنُشِدَتْ مِنْ مَظَانِّهَا ، وَاللَّهُ يَفْتَحُ وَجْهَ الصَّوَابِ فِيهَا . انْتَهَى . وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ " 2 . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ , وَلَا شَكَّ فِي تَكْفِيرِ مَنْ رَدَّ حُكْمَ الْكِتَابِ ، وَلَكِنْ مَنْ تَأَوَّلَ حُكْمَ الْكِتَابِ لِشُبْهَةٍ عَرَضَتْ لَهُ ، بُيِّنَ لَهُ الصَّوَابُ لِيَرْجِعَ إِلَيْهِ ، فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ ، لِكَمَالِ حِكْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَعَدْلِهِ ، لَا لِمُجَرَّدِ قَهْرِهِ وَقُدْرَتِهِ ، كَمَا يَقُولُ جَهْمٌ وَأَتْبَاعُهُ . وَسَيَأْتِي لِذَلِكَ زِيَادَةُ بَيَانٍ عِنْدَ قَوْلِ الشَّيْخِ : وَلَا نُكَفِّرُ أَحَدًا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله . قَوْلُهُ : " فَهَذَا جُمْلَةُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مَنْ هُوَ مُنَوَّرٌ قَلْبُهُ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَهِيَ دَرَجَةُ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ ، لِأَنَّ الْعِلْمَ عِلْمَانِ : عِلْمٌ فِي الْخَلْقِ مَوْجُودٌ ، وَعِلْمٌ فِي الْخَلْقِ مَفْقُودٌ ، فَإِنْكَارُ الْعِلْمِ الْمَوْجُودِ كُفْرٌ ، وَادِّعَاءُ الْعِلْمِ الْمَفْقُودِ كُفْرٌ ، وَلَا يَثْبُتُ الْإِيمَانُ إِلَّا بِقَبُولِ الْعِلْمِ الْمَوْجُودِ ، وَتَرْكِ طَلَبِ الْعِلْمِ الْمَفْقُودِ " . ش : الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ : فَهَذَا . إِلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ، مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ وَالْعَمَلُ بِهِ ، مِمَّا جَاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ , وَقَوْلُهُ : وَهِيَ دَرَجَةُ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ , أَيْ عِلْمِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا ، نَفْيًا وَإِثْبَاتًا , وَيَعْنِي بِالْعِلْمِ الْمَفْقُودِ : عِلْمَ الْقَدَرِ الَّذِي طَوَاهُ اللَّهُ عَنْ أَنَامِهِ ، وَنَهَاهُمْ عَنْ مَرَامِهِ . وَيَعْنِي بِالْعِلْمِ الْمَوْجُودِ : عِلْمَ الشَّرِيعَةِ ، أُصُولِهَا وَفُرُوعِهَا ، فَمَنْ أَنْكَرَ شَيْئًا مِمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ كَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ، ومن ادعى
هامش
1 هو الإمام محمد بن عبد الله المعافري الإشبيلي من حفاظ الحديث المتوفى 543 ه - . وهو غير محمد بن علي الحاتمي الصوفي صاحب " وحدة الوجود " المتوفى 638 ه - . 2 صحيح روى عن جمع من الصحابة ، في " الروض النضير " " 293 ، 321 " .