وَقَوْلُهُ : وَالتَّعَمُّقُ وَالنَّظَرُ فِي ذَلِكَ ذَرِيعَةُ الْخِذْلَانِ . آخِرِهِ التَّعَمُّقُ : هُوَ الْمُبَالَغَةُ فِي طَلَبِ الشَّيْءِ . وَالْمَعْنَى : أَنَّ الْمُبَالَغَةَ فِي طَلَبِ الْقَدَرِ وَالْغَوْصِ فِي الْكَلَامِ فِيهِ ذَرِيعَةُ الْخِذْلَانِ . الذَّرِيعَةُ : الْوَسِيلَةُ . والذريعة والدرجة والسلم متقاربة المعنى ، وكذلك الخذلان والحرمان والطغيان متقاربة المعنى أيضا . لكن الخذلان فِي مُقَابَلَةِ الظَّفَرِ , وَالطُّغْيَانَ فِي مُقَابَلَةِ الِاسْتِقَامَةِ .
وَقَوْلُهُ : فَالْحَذَرَ كُلَّ الْحَذَرِ مِنْ ذَلِكَ نَظَرًا وَفِكْرًا وَوَسْوَسَةً . عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : جَاءَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَسَأَلُوهُ : إِنَّا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ ؟ قَالَ : " وَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ ؟ " قَالُوا : نَعَمْ ، قَالَ : " ذَلِكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ " 1 . رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ : ذلك صريح الإيمان إلى تعاظم أَنْ يَتَكَلَّمُوا بِهِ . وَلِمُسْلِمٍ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الوسوسة ؟ فقال : " تلك محض الإيمان " 2 . فهو بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، فَإِنَّ وَسُوسَةَ النَّفْسِ أَوْ مُدَافَعَةَ وَسْوَاسِهَا بِمَنْزِلَةِ الْمُحَادَثَةِ الْكَائِنَةِ بَيْنَ اثْنَيْنِ ، فَمُدَافَعَةُ الْوَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِيَّةِ وَاسْتِعْظَامُهَا صَرِيحُ الْإِيمَانِ وَمَحْضُ الْإِيمَانِ . هَذِهِ طَرِيقَةُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ , ثُمَّ خَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ، سَوَّدُوا الْأَوْرَاقَ بِتِلْكَ الْوَسَاوِسِ ، الَّتِي هي شكوك وشبه ، بل سَوَّدُوا الْأَوْرَاقَ بِتِلْكَ الْوَسَاوِسِ ، الَّتِي هِيَ شُكُوكٌ وَشُبَهٌ ، بَلْ وَسَوَّدُوا الْقُلُوبَ ، وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ ، وَلِذَلِكَ أَطْنَبَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي ذَمِّ الْخَوْضِ فِي الْكَلَامِ فِي الْقَدَرِ وَالْفَحْصِ عَنْهُ . وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَبْغَضُ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ الْأَلَدُّ الْخَصِمُ " 3 . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ حدثنا داود ابن أَبِي هِنْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ وَالنَّاسُ يَتَكَلَّمُونَ فِي الْقَدَرِ ، قَالَ 4 : فَكَأَنَّمَا تَفَقَّأَ فِي وجهه حب الرمان من الغضب ،
هامش
1 أخرجه مسلم " 1 / 83 " وكذا أحمد " 2 / 456 " .
2 رواه مسلم عنه ، وأحمد " 6 / 106 " من حديث عائشة .
3 متفق عليه .
4 القائل هو المشاهد لغضب النبي صلى الله عليه وسلم عندما سمعهم يخوضوا في بحث القدر ، لما في الخوض به من مخالفة لما شرعه الله سبحانه .