وعن معاوية ابن أبي سفيان رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ أَهْلَ الْكِتَابَيْنِ افترقوا في دينهم على اثنتين وَسَبْعِينَ مِلَّةً " 1 ، وَإِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً . يَعْنِي : الْأَهْوَاءَ ، كُلُّهَا 2 فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً ، وَهِيَ الْجَمَاعَةُ .
وَأَكْبَرُ الْمَسَائِلِ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا الْخِلَافُ بَيْنَ الْأُمَّةِ : مَسْأَلَةُ الْقَدَرِ , وَقَدِ اتَّسَعَ الْكَلَامُ فِيهَا غَايَةَ الِاتِّسَاعِ .
وَقَوْلُهُ : فَمَنْ سَأَلَ : لِمَ فَعَلَ ؟ فَقَدْ رَدَّ حُكْمَ الْكِتَابِ ، وَمَنْ رَدَّ حُكْمَ الْكِتَابِ كَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ .
اعْلَمْ أَنَّ مَبْنَى الْعُبُودِيَّةِ وَالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ , عَلَى التَّسْلِيمِ وَعَدَمِ الْأَسْئِلَةِ عَنْ تَفَاصِيلِ الْحِكْمَةِ فِي الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي وَالشَّرَائِعِ . وَلِهَذَا لَمْ يَحْكِ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنْ أُمَّةِ نَبِيٍّ صَدَّقَتْ بِنَبِيِّهَا وَآمَنَتْ بِمَا جَاءَ بِهِ ، أَنَّهَا سَأَلَتْهُ عَنْ تَفَاصِيلِ الْحِكْمَةِ فِيمَا أَمَرَهَا بِهِ وَنَهَاهَا عَنْهُ وَبَلَّغَهَا عَنْ رَبِّهَا ، وَلَوْ فَعَلَتْ ذَلِكَ لَمَا كَانَتْ مُؤْمِنَةً بِنَبِيِّهَا ، بَلِ انْقَادَتْ وَسَلَّمَتْ وَأَذْعَنَتْ ، وَمَا عَرَفَتْ مِنَ الْحِكْمَةِ عَرَفَتْهُ ، وَمَا خَفِيَ عَنْهَا لَمْ تَتَوَقَّفْ فِي انْقِيَادِهَا وَتَسْلِيمِهَا عَلَى مَعْرِفَتِهِ ، وَلَا جَعَلَتْ ذَلِكَ مِنْ شَأْنِهَا ، وَكَانَ رَسُولُهَا أَعْظَمَ عِنْدَهَا مِنْ أَنْ تَسْأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ ، كَمَا فِي الْإِنْجِيلِ : " يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَقُولُوا : لِمَ أَمَرَ رَبُّنَا ؟ وَلَكِنْ قُولُوا : بِمَ أَمَرَ رَبُّنَا ، وَلِهَذَا كَانَ سَلَفُ هَذِهِ الْأُمَّةِ ، الَّتِي هِيَ أَكْمَلُ الْأُمَمِ عُقُولًا وَمَعَارِفَ وَعُلُومًا , لَا تَسْأَلُ نَبِيَّهَا : لِمَ أَمَرَ اللَّهُ بِكَذَا ؟ وَلِمَ نَهَى عَنْ كَذَا ؟ وَلِمَ قَدَّرَ كَذَا ؟ وَلِمَ فَعَلَ كَذَا ؟ لِعِلْمِهِمْ أَنَّ ذَلِكَ مُضَادٌّ لِلْإِيمَانِ وَالِاسْتِسْلَامِ ، وَأَنَّ قَدَمَ الْإِسْلَامِ لَا تَثْبُتُ إِلَّا عَلَى دَرَجَةِ التَّسْلِيمِ , فَأَوَّلُ مَرَاتِبِ تَعْظِيمِ الْأَمْرِ التَّصْدِيقُ بِهِ ، ثُمَّ الْعَزْمُ الْجَازِمُ عَلَى امْتِثَالِهِ ، ثُمَّ الْمُسَارَعَةُ إليه والمبادرة به ، والحذر عن الْقَوَاطِعَ وَالْمَوَانِعَ ، ثُمَّ بَذْلُ الْجُهْدِ وَالنُّصْحِ فِي الْإِتْيَانِ بِهِ عَلَى أَكْمَلِ الْوُجُوهِ ، ثُمَّ فِعْلُهُ لِكَوْنِهِ مَأْمُورًا ، بِحَيْثُ لَا يَتَوَقَّفُ الْإِتْيَانُ بِهِ على معرفة حكمته , فإن ظهرت له
هامش
1 صحيح ، ومخرج في المصدر المذكور " 204 " .
2 في الأصل : كلهم .