غَيْرُ مَجْبُورٍ عَلَى أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ ، وَأَنَّهَا [ لَيْسَتْ ] بِمَنْزِلَةِ حَرَكَاتِ الْمُرْتَعِشِ وَحَرَكَاتِ الْأَشْجَارِ بِالرِّيَاحِ وَغَيْرِهَا ، وَلَيْسَتْ مَخْلُوقَةً لِلْعَبْدِ ، بَلْ هِيَ فِعْلُ الْعَبْدِ وَكَسْبُهُ وَخَلْقُ اللَّهِ تَعَالَى .
وَقَوْلُهُ : " وَبَيْنَ الْأَمْنِ وَالْإِيَاسِ " - تَقَدَّمَ الْكَلَامُ أَيْضًا عَلَى هَذَا الْمَعْنَى ، وَأَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ خَائِفًا مِنْ عَذَابِ رَبِّهِ ، رَاجِيًا رَحْمَتَهُ ، وَأَنَّ الْخَوْفَ وَالرَّجَاءَ بِمَنْزِلَةِ الْجَنَاحَيْنِ لِلْعَبْدِ ، فِي سَيْرِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالدَّارِ الْآخِرَةِ .
قَوْلُهُ : ( فَهَذَا دِينُنَا وَاعْتِقَادُنَا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا ، وَنَحْنُ بُرَآءُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ كُلِّ مَنْ خَالَفَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ وَبَيَّنَّاهُ ، وَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُثَبِّتَنَا عَلَى الْإِيمَانِ ، وَيَخْتِمَ لَنَا بِهِ ، وَيَعْصِمَنَا مِنَ الْأَهْوَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ ، وَالْآرَاءِ الْمُتَفَرِّقَةِ ، وَالْمَذَاهِبِ الرَّدِيَّةِ ، مِثْلِ الْمُشَبِّهَةِ ، وَالْمُعْتَزِلَةِ ، وَالْجَهْمِيَّةِ ، وَالْجَبْرِيَّةِ ، وَالْقَدَرِيَّةِ ، وَغَيْرِهِا ، مِنَ الَّذِينَ خَالَفُوا السُّنَّةَ والْجَمَاعَةَ ، وَحَالَفُوا الضَّلَالَةَ ، وَنَحْنُ مِنْهُمْ بُرَآءُ ، وَهُمْ عِنْدَنَا ضُلَّالٌ وَأَرْدِيَاءُ . وَبِاللَّهِ الْعِصْمَةُ وَالتَّوْفِيقُ ) .
ش : الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ : " فَهَذَا " إِلَى كُلِّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَوَّلِ الْكِتَابِ إِلَى هُنَا . وَالْمُشَبِّهَةُ : هُمُ الَّذِينَ شَبَّهُوا اللَّهَ سُبْحَانَهُ بِالْخَلْقِ فِي صِفَاتِهِ ، وَقَوْلُهُمْ عَكْسُ قَوْلِ النَّصَارَى ، شَبَّهُوا الْمَخْلُوقَ - وَهُوَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِالْخَالِقِ وَجَعَلُوهُ إِلَهًا ، وَهَؤُلَاءِ شَبَّهُوا الْخَالِقَ بِالْمَخْلُوقِ ، كَدَاوُدَ الْجَوَارِبِيِّ وَأَشْبَاهِهِ .
وَالْمُعْتَزِلَةُ : هُمْ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ ، وَوَاصِلُ بْنُ عَطَاءٍ الْغَزَّالُ وَأَصْحَابُهُمَا ، سُمُّوا بِذَلِكَ لَمَّا اعْتَزَلُوا الْجَمَاعَةَ بَعْدَ مَوْتِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِي أَوَائِلِ الْمِائَةِ الثَّانِيَةِ ، وَكَانُوا يَجْلِسُونَ مُعْتَزِلِينَ ، فَيَقُولُ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ : أُولَئِكَ الْمُعْتَزِلَةُ .
وَقِيلَ : إِنَّ وَاصِلَ بْنَ عَطَاءٍ هُوَ الَّذِي وَضَعَ أُصُولَ مَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ ، وَتَابَعَهُ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ تِلْمِيذُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، فَلَمَّا كَانَ زَمَنُ هَارُونَ الرَّشِيدِ صَنَّفَ لَهُمْ أَبُو الْهُذَيْلِ كِتَابَيْنِ ، وَبَيَّنَ مَذْهَبَهُمْ ، وَبَنَى مَذْهَبَهُمْ عَلَى الْأُصُولِ الْخَمْسَةِ ، الَّتِي سَمَّوْهَا : الْعَدْلَ ، وَالتَّوْحِيدَ ، وَإِنْفَاذَ الْوَعِيدِ ، وَالْمَنْزِلَةَ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ ، وَالْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ
شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية ) — صفحة 537
مساهمون: ابن أبي العز الحنفي
ص٥٣٧