وَاتَّفَقُوا كُلُّهُمْ أَيْضًا عَلَى أَنَّ كُلَّ رُقْيَةٍ وَتَعْزِيمٍ أَوْ قَسَمٍ ، فِيهِ شِرْكٌ بِاللَّهِ ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّكَلُّمُ بِهِ ، وَإِنْ أَطَاعَتْهُ بِهِ الْجِنُّ أَوْ غَيْرُهُمْ ، وَكَذَلِكَ كُلُّ كَلَامٍ فِيهِ كُفْرٌ لَا يَجُوزُ التَّكَلُّمُ بِهِ ، وَكَذَلِكَ الْكَلَامُ الَّذِي لَا يُعْرَفُ مَعْنَاهُ لَا يُتَكَلَّمُ بِهِ ، لِإِمْكَانِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ شِرْكٌ لَا يُعْرَفُ . وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « لَا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ تَكُنْ شِرْكًا » .
وَلَا يَجُوزُ الِاسْتِعَاذَةُ بِالْجِنِّ ، فَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ عَلَى ذَلِكَ ، فَقَالَ تَعَالَى : { وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا } ( 1 ) . قَالُوا : كَانَ الْإِنْسِيُّ إِذَا نَزَلَ بِالْوَادِي يَقُولُ : أَعُوذُ بِعَظِيمِ هَذَا الْوَادِي مِنْ سُفَهَائِهِ ، فَيَبِيتُ فِي أَمْنٍ وَجِوَارٍ حَتَّى يُصْبِحَ ، { فَزَادُوهُمْ رَهَقًا } يَعْنِي الْإِنْسُ لِلْجِنِّ ، بِاسْتِعَاذَتِهِمْ بِهِمْ ، رَهَقًا ، أَيْ إِثْمًا وَطُغْيَانًا وَجَرَاءَةً وَشَرًّا ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا : قَدْ سُدْنَا الْجِنَّ ، وَالْإِنْسَ ! فَالْجِنُّ تَعَاظَمُ فِي أَنْفُسِهَا وَتَزْدَادُ كُفْرًا إِذَا عَامَلَتْهَا الْإِنْسُ بِهَذِهِ الْمُعَامَلَةِ . وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ } { قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ } ( 2 ) . فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يَدْعُونَ الْمَلَائِكَةَ وَيُخَاطِبُونَهُمْ بِهَذِهِ الْعَزَائِمِ ، وَأَنَّهَا تَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ - : ضَالُّونَ ، وَإِنَّمَا [ تَنَزَّلُ ] ( 3 ) عَلَيْهِمُ الشَّيَاطِينُ ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ } ( 4 ) . فَاسْتِمْتَاعُ الْإِنْسِيِّ بِالْجِنِّيِّ : فِي قَضَاءِ حَوَائِجِهِ ، وَامْتِثَالِ أَوَامِرِهِ ، وَإِخْبَارِهِ بِشَيْءٍ مِنَ
هامش
( 1 ) الْجِنِّ : 6
( 2 ) سَبَأٍ : 40 - 41
( 3 ) في الأصل : ( ينزل ) . ولعل الصواب ما أثبتناه من سائر النسخ . ن
( 4 ) الْأَنْعَامِ : 128