رَمْيًا ، بِقَوْلِهِ : { إِذْ رَمَيْتَ } ، فَعُلِمَ أَنَّ الْمُثْبَتَ غَيْرُ الْمَنْفِيِّ ، وَذَلِكَ أَنَّ الرَّمْيَ لَهُ ابْتِدَاءٌ وَانْتِهَاءٌ : فَابْتِدَاؤُهُ الْحَذْفُ ، وَانْتِهَاؤُهُ الْإِصَابَةُ ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا يُسَمَّى رَمْيًا ، فَالْمَعْنَى حِينَئِذٍ - وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ : وَمَا أَصَبْتَ إِذْ حَذَفْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَصَابَ . وَإِلَّا فَطَرْدُ قَوْلِهِمْ : وَمَا صَلَّيْتَ إِذْ صَلَّيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ صَلَّى ! وَمَا صُمْتَ إِذْ صُمْتَ ! وَمَا زَنَيْتَ إِذْ زَنَيْتَ ! وَمَا سَرَقْتَ إِذْ سَرَقْتَ ! ! وَفَسَادُ هَذَا ظَاهِرٌ .
وَأَمَّا تَرَتُّبُ الْجَزَاءِ عَلَى الْأَعْمَالِ ، فَقَدْ ضَلَّتْ فِيهِ الْجَبْرِيَّةُ وَالْقَدَرِيَّةُ ، وَهَدَى اللَّهُ أَهْلَ السُّنَّةِ ، وَلَهُ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ . فَإِنَّ الْبَاءَ الَّتِي فِي النَّفْيِ غَيْرُ الْبَاءِ الَّتِي فِي الْإِثْبَاتِ ، فَالْمَنْفِيُّ فِي قَوْلِهِ صَلَّى الله عليه وسلم : « [ لا ] يدخل [ أحدكم ] الجنة بِعَمَلِهِ » ( 1 ) - بَاءُ الْعِوَضِ ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ كَالثَّمَنِ لِدُخُولِ الرَّجُلِ إِلَى الْجَنَّةِ ، كَمَا زَعَمَتِ المعتزلة أن العامل يستحق دُخُولَ الْجَنَّةِ عَلَى رَبِّهِ بِعَمَلِهِ ! بَلْ ذَلِكَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ وَفَضْلِهِ .
وَالْبَاءُ الَّتِي فِي قَوْلِهِ تعالى : { جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } ( 2 ) ، وَنَحْوُهَا ، بَاءُ السَّبَبِ ، أَيْ بِسَبَبِ عَمَلِكُمْ ، وَاللَّهُ تَعَالَى هُوَ خَالِقُ الْأَسْبَابِ وَالْمُسَبِّبَاتِ ، فَرَجَعَ الْكُلُّ إِلَى مَحْضِ فَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ .
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُ الْمُعْتَزِلَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ } ( 3 ) - فمعنى الآية : أحسن المصورين المقدرين . و " الخلق " يُذْكَرُ وَيُرَادُ بِهِ التَّقْدِيرُ ، وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : { اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ } ( 4 ) أَيِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ مَخْلُوقٍ ، فَدَخَلَتْ أَفْعَالُ الْعِبَادِ فِي عُمُومِ " كُلِّ " . وَمَا أَفْسَدُ قَوْلَهُمْ فِي إِدْخَالِ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى فِي عُمُومِ : " كُلِّ " ، الَّذِي هُوَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ ، يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مَخْلُوقًا ! وَأَخْرَجُوا أَفْعَالَهُمُ الَّتِي هِيَ مَخْلُوقَةٌ مِنْ عُمُومِ " كُلِّ " ! ! وَهَلْ يَدْخُلُ فِي عُمُومِ " كُلِّ " إِلَّا مَا هُوَ مخلوق ؟ ! فذاته المقدسة وصفاته غير
هامش
( 1 ) في الأصل : « لن يدخل الجنة بعمله » ! هكذا فقط ، والتعديل من المسند 2 / 256 . ن
( 2 ) السجدة 17
( 3 ) المؤمنون 14
( 4 ) الرعد 16