تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية ) — صفحة 438

مساهمون:

ص٤٣٨
الشَّرْعِيَّةِ إِلَى مُجَرَّدِ إِمْكَانِ الْفِعْلِ ، بَلْ يَنْظُرُ إِلَى لَوَازِمِ ذَلِكَ ، فَإِنْ كَانَ الْفِعْلُ مُمْكِنًا مَعَ الْمَفْسَدَةِ الرَّاجِحَةِ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ اسْتِطَاعَةٌ شَرْعِيَّةٌ ، كَالَّذِي يَقْدِرُ عَلَى الْحَجِّ مَعَ ضَرَرٍ يَلْحَقُهُ فِي بَدَنِهِ أَوْ مَالِهِ ، أَوْ يُصَلِّي قَائِمًا مَعَ زِيَادَةِ مَرَضِهِ ، أَوْ يَصُومُ الشَّهْرَيْنِ مع انقطاعه عن معيشته ، ونحو ذلك . فإن كَانَ الشَّارِعُ قَدِ اعْتَبَرَ فِي الْمُكْنَةِ عَدَمَ الْمَفْسَدَةِ الرَّاجِحَةِ ، فَكَيْفَ يُكَلِّفُ مَعَ الْعَجْزِ ؟ ! وَلَكِنَّ هَذِهِ الِاسْتِطَاعَةَ - مَعَ بَقَائِهَا إِلَى حِينِ الْفِعْلِ - لَا تَكْفِي فِي وُجُودِ الْفِعْلِ ، وَلَوْ كَانَتْ كَافِيَةً لَكَانَ التَّارِكُ كَالْفَاعِلِ ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ إِحْدَاثِ إِعَانَةٍ أُخْرَى تُقَارِنُ ، مِثْلَ جَعْلِ الْفَاعِلِ مُرِيدًا ، فَإِنَّ الْفِعْلَ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِقُدْرَةٍ وَإِرَادَةٍ ، وَالِاسْتِطَاعَةُ الْمُقَارِنَةُ تَدْخُلُ فِيهَا الْإِرَادَةُ الْجَازِمَةُ ، بِخِلَافِ الْمَشْرُوطَةِ فِي التَّكْلِيفِ ، فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا الْإِرَادَةُ . فَاللَّهُ تَعَالَى يَأْمُرُ بِالْفِعْلِ مَنْ لَا يُرِيدُهُ ، لَكِنْ لَا يَأْمُرُ بِهِ مَنْ لَوْ أَرَادَهُ لَعَجَزَ عَنْهُ . وَهَكَذَا أَمْرُ النَّاسِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ ، فَالْإِنْسَانُ يَأْمُرُ عَبْدَهُ بِمَا لَا يُرِيدُهُ الْعَبْدُ ، لَكِنْ لَا يَأْمُرُهُ بِمَا يَعْجَزُ عَنْهُ الْعَبْدُ ، وَإِذَا اجْتَمَعَتِ الْإِرَادَةُ الْجَازِمَةُ وَالْقُوَّةُ التَّامَّةُ ، لَزِمَ وُجُودُ الْفِعْلِ . وَعَلَى هَذَا يَنْبَنِي تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ ، فَإِنَّ مَنْ قَالَ : الْقُدْرَةُ لَا تَكُونُ إِلَّا مَعَ الْفِعْلِ - يَقُولُ : كُلُّ كَافِرٍ وَفَاسِقٍ قَدْ كُلِّفَ مَا لَا يُطِيقُ . وَمَا لَا يُطَاقُ يُفَسَّرُ بِشَيْئَيْنِ : بِمَا لَا يُطَاقُ لِلْعَجْزِ عَنْهُ ، فَهَذَا لَمْ يُكَلِّفْهُ اللَّهُ أَحَدًا ، وَيُفَسَّرُ بِمَا لَا يُطَاقُ لِلِاشْتِغَالِ بِضِدِّهِ ، فَهَذَا هُوَ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ التَّكْلِيفُ ، كَمَا فِي أَمْرِ الْعِبَادِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا ، فَإِنَّهُمْ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا ، فَلَا يَأْمُرُ السَّيِّدُ عَبْدَهُ الْأَعْمَى بِنَقْطِ الْمَصَاحِفِ ! وَيَأْمُرُهُ إِذَا كَانَ قَاعِدًا أَنْ يَقُومَ ، وَيُعْلَمُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ بِالضَّرُورَةِ . قَوْلُهُ : ( وَأَفْعَالُ الْعِبَادِ خَلْقُ اللَّهِ وَكَسْبٌ مِنَ الْعِبَادِ ) . ش : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي أَفْعَالِ الْعِبَادِ الِاخْتِيَارِيَّةِ ، فَزَعَمَتِ الْجَبْرِيَّةُ وَرَئِيسُهُمُ الْجَهْمُ بن صفوان السمرقندي ( 1 ) أَنَّ التَّدْبِيرَ فِي أَفْعَالِ الْخَلْقِ كُلِّهَا لِلَّهِ تعالى ،
هامش
( 1 ) في المطبوعة « الترمذي » ! وهو خطأ يظهر أنه من الناسخين ، والجهم بن صفوان ينسب إلى « سمرقند » ويقال له أيضا « الراسبي » ، لأنه مولى « بني راسب » . انظر ترجمته وأخباره في تاريخ الطبري 9 : 66 - 69 ، وتاريخ الإسلام للذهبي 5 : 56 - 58 ، وتاريخ ابن كثير 1 : 26 - 27 ، ولسان الميزان 2 : 142
شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية ) — صفحة 438 | ابن أبي العز الحنفي / جماعة من العلماء