تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية ) — صفحة 444

مساهمون:

ص٤٤٤
وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : { هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ } { إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ } ( 1 ) والإخلاص : خلوص القلب من تأله مَا سِوَى اللَّهِ تَعَالَى وَإِرَادَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ ، فَخَلَصَ لِلَّهِ ، فَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْهُ الشَّيْطَانُ . وَأَمَّا إِذَا صَادَفَهُ فَارِغًا مِنْ ذَلِكَ ، تَمَكَّنَ مِنْهُ بِحَسَبِ فَرَاغِهِ ، فَيَكُونُ جَعْلُهُ مُذْنِبًا مُسِيئًا فِي هَذِهِ الْحَالِ عُقُوبَةً لَهُ عَلَى عَدَمِ هَذَا الْإِخْلَاصِ . وَهِيَ مَحْضُ الْعَدْلِ . فَإِنْ قُلْتَ : فَذَلِكَ الْعَدَمُ مَنْ خَلَقَهُ فِيهِ ؟ قِيلَ : هَذَا سُؤَالٌ فَاسِدٌ ، فَإِنَّ الْعَدَمَ كَاسْمِهِ ، لَا يَفْتَقِرُ إِلَى تَعَلُّقِ التَّكْوِينِ وَالْإِحْدَاثِ بِهِ ، فَإِنَّ عَدَمَ الْفِعْلِ لَيْسَ أَمْرًا وُجُودِيًّا حَتَّى يُضَافَ إِلَى الْفَاعِلِ ، بَلْ هُوَ شَرٌّ مَحْضٌ ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ ، كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ الِاسْتِفْتَاحِ : « لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ » ( 2 ) . وَكَذَا فِي حديث الشفاعة يوم القيامة ، « حين يقول الله له : يَا مُحَمَّدُ . فَيَقُولُ : " لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ ، وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ " » . وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ تَسْلِيطَ الشَّيْطَانِ إِنَّمَا هُوَ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ ، فَلَمَّا تَوَلَّوْهُ دُونَ اللَّهِ وَأَشْرَكُوا بِهِ مَعَهُ - عُوقِبُوا على ذلك بتسليط الله [ إياه ] عَلَيْهِمْ ، وَكَانَتْ هَذِهِ الْوِلَايَةُ وَالْإِشْرَاكُ عُقُوبَةَ خُلُوِّ الْقَلْبِ وَفَرَاغِهِ مِنَ الْإِخْلَاصِ . فَإِلْهَامُ الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ثَمَرَةُ هَذَا الْإِخْلَاصِ وَنَتِيجَتُهُ ، وَإِلْهَامُ الْفُجُورِ عُقُوبَةٌ عَلَى خُلُوِّهِ مِنَ الْإِخْلَاصِ . فَإِنْ قُلْتَ : إِنْ كَانَ هَذَا التَّرْكُ أَمْرًا وُجُودِيًّا عَادَ السُّؤَالُ جَذَعًا ، وَإِنْ كَانَ أَمْرًا عَدَمِيًّا فَكَيْفَ يُعَاقَبُ عَلَى الْعَدَمِ الْمَحْضِ ؟ قِيلَ : لَيْسَ هَنَا تَرْكٌ هُوَ كَفُّ النَّفْسِ وَمَنْعُهَا عَمَّا تُرِيدُهُ وَتُحِبُّهُ ، فهذا قد يقال :
هامش
( 1 ) الحجر 41 - 42 ( 2 ) رواه أحمد في المسند رقم 803 ، ومسلم في الصحيح 1 : 215 في حديث طويل من حديث علي بن أبي طالب ، وكان في المطبوعة هنا « بيديك » - وأثبتنا ما هو الثابت في المسند والصحيح