تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية ) — صفحة 439

مساهمون:

ص٤٣٩
وَهِيَ كُلُّهَا اضْطِرَارِيَّةٌ ، كَحَرَكَاتِ الْمُرْتَعِشِ ، وَالْعُرُوقِ النَّابِضَةِ ، وَحَرَكَاتِ الْأَشْجَارِ ، وَإِضَافَتِهَا إِلَى الْخَلْقِ مَجَازٌ ! وَهِيَ عَلَى حَسَبِ مَا يُضَافُ الشَّيْءُ إِلَى مَحَلِّهِ دُونَ مَا يُضَافُ إِلَى مُحَصِّلِهِ ! وَقَابَلَتْهُمُ الْمُعْتَزِلَةُ ، فَقَالُوا : إِنَّ جَمِيعَ الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ مِنْ جَمِيعِ الْحَيَوَانَاتِ بِخَلْقِهَا ، لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى . وَاخْتَلَفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقْدِرُ عَلَى أَفْعَالِ الْعِبَادِ أَمْ لَا ؟ ! وَقَالَ أَهْلُ الْحَقِّ : أَفْعَالُ الْعِبَادِ بِهَا صَارُوا مُطِيعِينَ وَعُصَاةً ، وَهِيَ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى ، وَالْحَقُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُنْفَرِدٌ بِخَلْقِ الْمَخْلُوقَاتِ ، لَا خَالِقَ لَهَا سِوَاهُ . فَالْجَبْرِيَّةُ غَلَوْا فِي إِثْبَاتِ الْقَدَرِ ، فَنَفَوْا صنع العبد أصلا ، كما غلت الْمُشَبِّهَةُ فِي إِثْبَاتِ الصِّفَاتِ ، فَشَبَّهُوا . وَالْقَدَرِيَّةُ نُفَاةُ الْقَدَرِ جَعَلُوا الْعِبَادَ خَالِقِينَ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى . وَلِهَذَا كَانُوا " مَجُوسَ هَذِهِ الْأُمَّةِ " ، بَلْ أَرْدَأُ مِنَ الْمَجُوسِ ، مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْمَجُوسَ أَثْبَتُوا خَالِقَيْنِ ، وَهُمْ أَثْبَتُوا خَالِقِينَ ! ! وَهَدَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَهْلَ السُّنَّةِ لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ، وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مستقيم . فكل دليل صحيح تقيمه الْجَبْرِيُّ ، فَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ، وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، وَأَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ مِنْ جُمْلَةِ مَخْلُوقَاتِهِ ، وَأَنَّهُ مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ بِفَاعِلٍ فِي الْحَقِيقَةِ وَلَا مُرِيدٍ وَلَا مُخْتَارٍ ، وَأَنَّ حَرَكَاتِهِ الِاخْتِيَارِيَّةَ بِمَنْزِلَةِ حَرَكَةِ الْمُرْتَعِشِ وَهُبُوبِ الرِّيَاحِ وَحَرَكَاتِ الْأَشْجَارِ . وَكُلُّ دَلِيلٍ صَحِيحٍ يُقِيمُهُ الْقَدَرِيُّ فَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ فَاعِلٌ لِفِعْلِهِ حَقِيقَةً ، وَأَنَّهُ مُرِيدٌ لَهُ مُخْتَارٌ لَهُ حَقِيقَةً ، وَأَنَّ إِضَافَتَهُ وَنِسْبَتَهُ إِلَيْهِ إِضَافَةُ حَقٍّ ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ لِلَّهِ تَعَالَى وَأَنَّهُ وَاقِعٌ بِغَيْرِ مَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ . فَإِذَا ضَمَمْتَ مَا مَعَ كُلِّ طَائِفَةٍ مِنْهُمَا مِنَ الْحَقِّ إِلَى حَقِّ الْأُخْرَى - فَإِنَّمَا يَدُلُّ