وَهُوَ خَلَقَهَا فِيهِمْ ؟ فَأَيْنَ الْعَدْلُ فِي تَعْذِيبِهِمْ عَلَى مَا هُوَ خَالِقُهُ وَفَاعِلُهُ فِيهِمْ ؟ وَهَذَا السُّؤَالُ لَمْ يَزَلْ مَطْرُوقًا فِي الْعَالَمِ عَلَى أَلْسِنَةِ النَّاسِ ، وَكُلٌّ مِنْهُمْ يَتَكَلَّمُ فِي جَوَابِهِ بِحَسَبِ عِلْمِهِ وَمَعْرِفَتِهِ ، وَعَنْهُ تَفَرَّقَتْ بِهِمُ الطُّرُقُ : فَطَائِفَةٌ أَخْرَجَتْ أَفْعَالَهُمْ عَنْ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَطَائِفَةٌ أَنْكَرَتِ الْحُكْمَ وَالتَّعْلِيلَ ، وَسَدَّتْ بَابَ السُّؤَالِ . وَطَائِفَةٌ أَثْبَتَتْ كَسْبًا لَا يُعْقَلُ ! جَعَلَتِ الثَّوَابَ [ وَالْعِقَابَ ] عَلَيْهِ . وَطَائِفَةٌ الْتَزَمَتْ لِأَجْلِهِ وُقُوعَ مَقْدُورٍ بَيْنَ قَادِرَيْنِ ، وَمَفْعُولٍ بَيْنَ فَاعِلَيْنِ ! وَطَائِفَةٌ الْتَزَمَتِ الْجَبْرَ ، وَأَنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُهُمْ عَلَى مَا لَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ ! وَهَذَا السُّؤَالُ هُوَ الَّذِي أَوْجَبَ هذا التَّفَرُّقَ وَالِاخْتِلَافَ .
وَالْجَوَابُ الصَّحِيحُ عَنْهُ ، أَنْ يُقَالَ : إِنَّ مَا يُبْتَلَى بِهِ الْعَبْدُ مِنَ الذُّنُوبِ الْوُجُودِيَّةِ ، وَإِنْ كَانَتْ خَلْقًا لِلَّهِ تَعَالَى ، فَهِيَ عُقُوبَةٌ لَهُ عَلَى ذُنُوبٍ قَبْلَهَا ، فَالذَّنْبُ يُكْسِبُ الذَّنْبَ ، وَمِنْ عِقَابِ السَّيِّئَةِ السَّيِّئَةُ بَعْدَهَا . فَالذُّنُوبُ كَالْأَمْرَاضِ الَّتِي يُورِثُ بَعْضُهَا بَعْضًا .
يَبْقَى أَنْ يُقَالَ : فَالْكَلَامُ فِي الذَّنْبِ الْأَوَّلِ الْجَالِبِ لِمَا بَعْدَهُ مِنَ الذُّنُوبِ ؟ يُقَالُ : هُوَ عُقُوبَةٌ أَيْضًا عَلَى عَدَمِ فِعْلِ مَا خُلِقَ لَهُ وَفُطِرَ عَلَيْهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ خَلَقَهُ لِعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَفَطَرَهُ عَلَى مَحَبَّتِهِ ، وَتَأَلُّهِهِ وَالْإِنَابَةِ إِلَيْهِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا } ( 1 ) . فلما لَمْ يَفْعَلْ مَا خُلِقَ لَهُ وَفُطِرَ عَلَيْهِ ، مِنْ مَحَبَّةِ اللَّهِ وَعُبُودِيَّتِهِ ، وَالْإِنَابَةِ إِلَيْهِ - عُوقِبَ عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ زَيَّنَ لَهُ الشَّيْطَانُ مَا يَفْعَلُهُ مِنَ الشِّرْكِ وَالْمَعَاصِي ، فَإِنَّهُ صَادَفَ قَلْبًا خَالِيًا قَابِلًا لِلْخَيْرِ وَالشَّرِّ ، وَلَوْ كَانَ فِيهِ الْخَيْرُ الَّذِي يَمْنَعُ ضِدَّهُ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْهُ الشَّرُّ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ } ( 2 ) . وَقَالَ إِبْلِيسُ : { فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } { إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ } ( 3 ) .
هامش
( 1 ) الروم 30
( 2 ) يوسف 24
( 3 ) ص 82 - 83