تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية ) — صفحة 407

مساهمون:

ص٤٠٧
تَكُونَ مَادَّتُهَا وَحَامِلُهَا طَبِيعَتُه حَارَّة رَطْبَة - بِمَا يَدُلُّ عَلَى أَمْرِ الْبَعْثِ ، فَفِيهِ الدَّلِيلُ وَالْجَوَابُ ، فَقَالَ : { الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ } ( 1 ) . فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ بِإِخْرَاجِ هَذَا الْعُنْصُرِ ، الَّذِي هُوَ فِي غَايَة الْحَرَارَة وَالْيُبُوسَة ، مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ الْمُمْتَلِئِ بِالرُّطُوبَة وَالْبُرُودَة ، فَالَّذِي يُخْرِجُ الشَّيْءَ مِنْ ضِدِّه ، وَتَنْقَادُ لَهُ مَوَادُّ الْمَخْلُوقَاتِ وَعَنَاصِرُهَا وَلَا تَسْتَعْصِي عَلَيْهِ - هُوَ الَّذِي يَفْعَلُ مَا أَنْكَرَه الْمُلْحِدُ وَدَفَعَه ، مِنْ إِحْيَاءِ الْعِظَامِ وَهِيَ رَمِيمٌ . ثُمَّ أَكَّدَ هَذَا بِأَخْذِ الدِّلَالَة مِنَ الشَّيْءِ الْأَجَلِّ الْأَعْظَمِ ، عَلَى الْأَيْسَرِ الْأَصْغَرِ ، فَإِنَّ كُلَّ عَاقِلٍ يَعْلَمُ أَنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى الْعَظِيمِ الْجَلِيلِ فَهُوَ عَلَى مَا دُونَه بِكَثِيرٍ أَقْدَرُ وَأَقْدَرُ ، فَمَنْ قَدَرَ على حَمْلِ قِنْطَارٍ كان ( 2 ) عَلَى حَمْلِ أُوقِيَّة أَشَدُّ اقْتِدَارًا ، فَقَالَ : { أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ } ( 3 ) ؟ فَأَخْبَرَ أَنَّ الَّذِي أَبْدَعَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ، عَلَى [ جَلَالَتِهِمَا ] ( 4 ) ، وَعِظَمِ شَأْنِهِمَا ، وَكِبَرِ أَجْسَامِهِمَا ، وَسَعَتِهِمَا ، وَعَجِيبِ خَلْقِهِمَا - أَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُحْيِي عِظَامًا قَدْ صَارَتْ رَمِيمًا ، فَيَرُدَّهَا إِلَى حَالَتِهَا الْأُولَى . كَمَا قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : { لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } ( 5 ) ، وَقَالَ : { أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ } ( 6 ) . ثُمَّ أَكَّدَ سُبْحَانَهُ ذَلِكَ وَبَيَّنَه بِبَيَانٍ آخَرَ ، وَهُوَ أَنَّهُ لَيْسَ فِعْلُه بِمَنْزِلَة غَيْرِهِ ، الَّذِي يَفْعَلُ بِالْآلَاتِ وَالْكُلْفَة ، وَالنصبِ وَالْمَشَقَّة ، وَلَا يُمْكِنُه الِاسْتِقْلَالُ بِالْفِعْلِ ، بَلْ لَا بُدَّ مَعَهُ مِنْ آلَة وَمُعِينٍ ، بَلْ يَكْفِي فِي خَلْقِه لِمَا يُرِيدُ أَنْ يَخْلُقَه وَيُكَوِّنه نَفْسُ إِرَادَتِه ، وَقَوْلُهُ لِلْمُكَوَّنِ : " كُنْ " ، فَإِذَا هُوَ كَائِنٌ كَمَا شَاءَه وَأَرَادَه .
هامش
( 1 ) يس 80 ( 2 ) في المطبوعة « قدر » بدل « كان » . ولا تستقيم بها العبارة ( 3 ) يس 81 ( 4 ) في الأصل : ( حالتهما ) . والصواب ما أثبتناه من سائر النسخ . ن ( 5 ) غَافِرٍ 57 ( 6 ) يس : 81