ثُمَّ خَتَمَ هَذِهِ الْحُجَّة بِإِخْبَارِه أَنَّ مَلَكُوتَ كُلِّ شَيْءٍ بِيَدِه ، فَيَتَصَرَّفُ فِيهِ بِفِعْلِه وَقَوْلِهِ ، { وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } .
وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ : { أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى } { أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى } { ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى } { فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى } { أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى } ( 1 ) . فَاحْتَجَّ سُبْحَانَهُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتْرُكُه مُهْمَلًا عَنِ الْأَمْرِ وَالنَّهْي ، وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ ، وَأَنَّ حِكْمَتَه وَقُدْرَتَه تَأْبَى ذَلِكَ أَشَدَّ الْإِبَاءِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ } ( 2 ) ، إِلَى آخَرِ السُّورَةِ . فَإِنَّ مَنْ نَقَلَه مِنَ النُّطْفَة إِلَى الْعَلَقَة ، ثُمَّ إِلَى الْمُضْغَة ، ثُمَّ شَقَّ سَمْعَه وَبَصَرَه ، وَرَكَّبَ فِيهِ الْحَوَاسَّ وَالْقُوَى ، وَالْعِظَامَ وَالْمَنَافِعَ ، وَالْأَعْصَابَ وَالرِّبَاطَاتِ الَّتِي هِيَ أَشَدُّه ، وَأَحْكَمَ خَلْقَه غَايَة الْإِحْكَامِ ، وَأَخْرَجَه عَلَى هَذَا الشَّكْلِ وَالصُّورَة ، الَّتِي هِيَ أَتَمُّ الصُّوَرِ وَأَحْسَنُ الْأَشْكَالِ - كَيْفَ يَعْجِزُ عَنْ إِعَادَتِه وَإِنْشَائِه مَرَّة ثَانِيَة ؟ أَمْ كَيْفَ تَقْتَضِي حِكْمَتُه وَعِنَايَتُه أَنْ يَتْرُكَه سُدًى ؟ فَلَا يَلِيقُ ذَلِكَ بِحِكْمَتِه ، وَلَا تَعْجِزُ عَنْهُ قُدْرَتُه .
فَانْظُرْ إِلَى هَذَا الِاحْتِجَاجِ الْعَجِيبِ ، بِالْقَوْلِ الْوَجِيزِ ، الَّذِي لَا يَكُونُ أَوْجَزَ مِنْهُ ، وَالْبَيَانِ الْجَلِيلِ ، الَّذِي لَا يُتَوَهَّمُ أَوْضَحُ مِنْهُ ، وَمَأْخَذِه الْقَرِيبِ ، الَّذِي لَا تَقَعُ الظُّنُونُ عَلَى أَقْرَبَ مِنْهُ .
وَكَمْ فِي الْقُرْآنِ مِنْ مِثْلِ هَذَا الِاحْتِجَاجِ ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ } ( 3 ) إِلَى أَنْ قَالَ : { وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ } ( 4 ) . وقوله تعالى : { وَلَقَدْ }
هامش
( 1 ) الْقِيَامَة 36 - 40
( 2 ) الْمُؤْمِنُونَ 115
( 3 ) الْحَجِّ 5
( 4 ) الْحَجِّ : 7