وَلَحْمًا ، ثُمَّ أَنْشَأَه خَلْقًا سَوِيًّا . كَذَلِكَ الْإِعَادَة : يُعِيدُه اللَّهُ بَعْدَ أَنْ يَبْلَى كُلُّهُ إِلَّا عَجْبَ الذَّنَبِ ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ قَالَ : « كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَبْلَى إِلَّا عَجْبَ الذَّنَبِ ، مِنْهُ خُلِقَ ابْنُ آدَمَ ، وَمِنْهُ يُرَكَّبُ » ( 1 ) . وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ : « إِنَّ السماء تُمْطِرُ مَطَرًا كَمَنِي الرِّجَالِ ، يَنْبُتُونَ فِي الْقُبُورِ كَمَا يَنْبُتُ النَّبَاتُ » . فَالنَّشْأَتَانِ نَوْعَانِ تَحْتَ جِنْسٍ ، يَتَّفِقَانِ وَيَتَمَاثَلَانِ مِنْ وَجْه ، وَيَفْتَرِقَانِ وَيَتَنَوَّعَانِ مِنْ وَجْه . وَالْمُعَادُ هُوَ الْأَوَّلُ بِعَيْنِه ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَ لَوَازِمِ الْإِعَادَة وَلَوَازِمِ الْبَدَاءَة فَرْقٌ ، فَعَجْبُ الذَّنَبِ هُوَ الَّذِي يَبْقَى ، وَأَمَّا سَائِرُه فَيَسْتَحِيلُ ، فَيُعَادُ مِنَ الْمَادَّة الَّتِي اسْتَحَالَ إِلَيْهَا . وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ رَأَى شَخْصًا وَهُوَ صَغِيرٌ ، ثُمَّ رَآه وَقَدْ صَارَ شَيْخًا ، عَلِمَ أَنَّ هَذَا هُوَ ذَاكَ ، مَعَ أَنَّهُ دَائِمًا فِي تَحَلُّلٍ وَاسْتِحَالَة . وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْحَيَوَانِ وَالنَّبَاتُ ، فَمَنْ رَأَى شَجَرَة وَهِيَ صَغِيرَة ، ثُمَّ رَآهَا كَبِيرَة ، قَالَ : هَذِهِ تِلْكَ . وَلَيْسَتْ صِفَة تِلْكَ النَّشْأَة الثَّانِيَة مُمَاثِلَة لِصِفَة هَذِهِ النَّشْأَة ، حَتَّى يُقَالَ إِنَّ الصِّفَاتِ هِيَ الْمُغَيَّرَة ، لَا سِيَّمَا أَهْلُ الْجَنَّة إِذَا دَخَلُوهَا فَإِنَّهُمْ يَدْخُلُونَهَا عَلَى صُورَة آدَمَ ، طُولُه سِتُّونَ ذِرَاعًا ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا ، وَرُوِي : أَنَّ عَرْضَه سَبْعَة أَذْرُعٍ . وَتِلْكَ نَشْأَة بَاقِيَة غَيْرُ مُعَرَّضَة لِلْآفَاتِ ، وَهَذِهِ النَّشْأَة فَانِيَة مُعَرَّضَة لِلْآفَاتِ .
وَقَوْلُهُ : " وَجَزَاءِ الْأَعْمَالِ " -
قَالَ تعالى : { مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ } ( 2 ) . { يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ } ( 3 ) . وَالدِّينُ : الْجَزَاءُ ، يُقَالُ : كَمَا تَدِينُ تُدَانُ ، أَيْ كَمَا تُجَازِي تُجَازَى ، وَقَالَ تَعَالَى : { جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } ( 4 ) .
هامش
( 1 ) ليس هذا اللفظ في الصحيحين تماما . ومعناه ثابت في البخاري 8 : 424 ، 529 ومسلم 2 : 383 ، من حديث أبي هريرة . وأقرب لفظ إلى ذكره الشارح ، إحدى روايات مسلم : « كل ابن آدم يأكله التراب ، إلا عجب الذنب ، منه خلق ، وفيه يركب » . و « العجب » ، بفتح المهملة وسكون الجيم بعدها موحدة : عظم لطيف في أصل الصلب ، وهو رأس العصعص ، وهو مكان رأس الذنب من ذوات الأربع . قاله الحافظ في الفتح
( 2 ) الْفَاتِحَة 3
( 3 ) النُّورِ 25
( 4 ) السَّجْدَة آية 17