{ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ } ( 1 ) إِلَى أَنْ قَالَ : { ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ } ( 2 ) . وَذَكَرَ قِصَّة أَصْحَابِ الْكَهْفِ ، وَكَيْفَ أَبْقَاهُمْ مَوْتَى ثَلَاثَمِائَة سَنَةٍ شَمْسِيَّة ، [ وَهِيَ ] ( 3 ) ثَلَاثُمِائَة وَتِسْعُ سِنِينَ قَمَرِيَّة ، وَقَالَ فِيهَا : { وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا } ( 4 ) .
وَالْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْأَجْسَامَ مُرَكَّبَة مِنَ الْجَوَاهِرِ الْمُفْرَدَة - لَهُمْ فِي الْمَعَادِ خَبْطٌ وَاضْطِرَابٌ . وَهُمْ فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ : مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : تُعْدَمُ الْجَوَاهِرُ ثُمَّ تُعَادُ . وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : تُفَرَّقُ الْأَجْزَاءُ ثُمَّ تُجْمَعُ . فَأُورِدَ عَلَيْهِمُ الْإِنْسَانُ الَّذِي يَأْكُلُه حَيَوَانٌ ، وَذَلِكَ [ الْحَيَوَانُ ] ( 5 ) أَكَلَه إِنْسَانٌ ، فَإِنْ أُعِيدَتْ تِلْكَ الْأَجْزَاءُ مِنْ هَذَا ، لَمْ تُعَدْ مِنْ هَذَا ؟ وَأُورِدَ عَلَيْهِمْ : أَنَّ الْإِنْسَانَ يَتَحَلَّلُ دَائِمًا ، فَمَاذَا الَّذِي يُعَادُ ؟ أَهْوَ الَّذِي كَانَ وَقْتَ الْمَوْتِ ؟ فَإِنْ قِيلَ بِذَلِكَ ، لَزِمَ أَنْ يُعَادَ عَلَى صُورَة ضَعِيفَة ، وَهُوَ خِلَافُ مَا جَاءَتْ بِهِ النُّصُوصُ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ ، فَلَيْسَ بَعْضُ الْأَبْدَانِ بِأَوْلَى مِنْ بَعْضٍ ! فَادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّ فِي الْإِنْسَانِ أَجْزَاءً أَصْلِيَّة لَا تَتَحَلَّلُ ، وَلَا يَكُونُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ الْحَيَوَانِ الَّذِي أَكَلَه الثَّانِي ! وَالْعُقَلَاءُ يَعْلَمُونَ أَنَّ بَدَنَ الْإِنْسَانِ نَفْسَه كُلَّهُ يَتَحَلَّلُ ، لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ بَاقٍ ، فَصَارَ مَا ذَكَرُوه فِي الْمَعَادِ مِمَّا قَوَّى شُبْهَة الْمُتَفَلْسِفَة فِي إِنْكَارِ مَعَادِ الْأَبْدَانِ .
وَالْقَوْلُ الَّذِي عَلَيْهِ السَّلَفُ وَجُمْهُورُ الْعُقَلَاءِ : أَنَّ الْأَجْسَامَ تَنْقَلِبُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ ، فَتَسْتَحِيلُ تُرَابًا ، ثُمَّ يُنْشِئُهَا ( 6 ) اللَّهُ نَشْأَة أُخْرَى ، كَمَا اسْتَحَالَ فِي النَّشْأَة الْأُولَى : فَإِنَّهُ كَانَ نُطْفَة ، ثُمَّ صَارَ عَلَقَة ، [ ثُمَّ صَارَ مُضْغَة ] ( 7 ) ، ثُمَّ صَارَ عِظَامًا
هامش
( 1 ) الْمُؤْمِنُون 12
( 2 ) الْمُؤْمِنُونَ 16
( 3 ) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل . والصواب ما أثبتناه من سائر النسخ . ن
( 4 ) الْكَهْفِ 21
( 5 ) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل . والصواب ما أثبتناه من سائر النسخ . ن
( 6 ) في المطبوعة « ثم أنشأها » . والفعل الماضي هنا غير مناسب للسياق . والمضارع أجود وأدق
( 7 ) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل . والصواب ما أثبتناه من سائر النسخ . ن