عَرَضٌ مِنْ أَعْرَاضِه ؟ أَوْ جِسْمٌ مُسَاكِنٌ لَهُ مُودَعٌ فِيهِ ؟ أَوْ جَوْهَرٌ مُجَرَّدٌ ؟ وَهَلْ هِيَ الرُّوحُ أَوْ غَيْرُهَا ؟ وَهَلِ الْأَمَّارَة ، وَاللَّوَّامَة ، وَالْمُطْمَئِنَّة - نَفْسٌ وَاحِدَة ، أَمْ هِيَ ثَلَاثَة أَنْفُسٍ ؟ وَهَلْ تَمُوتُ الرُّوحُ ، أَوِ الْمَوْتُ لِلْبَدَنِ وَحْدَه ؟ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَحْتَمِلُ مُجَلَّدًا ، وَلَكِنْ أُشِيرُ إِلَى الْكَلَامِ عَلَيْهَا مُخْتَصَرًا ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى :
فَقِيلَ : الرُّوحُ قَدِيمَة ، وَقَدْ أَجْمَعَتِ الرُّسُلُ عَلَى أَنَّهَا مُحْدَثَة مَخْلُوقَة مَصْنُوعَة مَرْبُوبَة مُدَبَّرَة . وَهَذَا مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَة مِنْ دِينِهِمْ ، أَنَّ الْعَالَمَ مُحْدَثٌ ، وَمَضَى عَلَى هَذَا الصَّحَابَة وَالتَّابِعُونَ ، حَتَّى نَبَغَتْ نَابِغَة مِمَّنْ قَصُرَ فَهْمُه فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، فَزَعَمَ أَنَّهَا قَدِيمَة ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّهَا مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ، وَأَمْرُه غَيْرُ مَخْلُوقٍ ! وَبِأَنَّ اللَّهَ أَضَافَهَا إِلَيْهِ بقوله : { قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي } ( 1 ) ، وَبِقَوْلِه : { وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي } ( 2 ) ، كَمَا أَضَافَ إِلَيْهِ عِلْمَه وَقُدْرَتَه وَسَمْعَه وَبَصَرَه وَيَدَه . وَتَوَقَّفَ آخَرُونَ .
وَاتَّفَقَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَة أَنَّهَا مَخْلُوقَة . وَمِمَّنْ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ : مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِي ، وَابْنُ قُتَيْبَة وَغَيْرُهُمَا .
وَمِنَ الْأَدِلَّة عَلَى أَنَّ الرُّوحَ مَخْلُوقَة ، قَوْلُهُ تعالى : { اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ } ( 3 ) ، فَهَذَا عَامٌّ لَا تَخْصِيصَ فِيهِ بِوَجْه مَا ، وَلَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ صِفَاتُ اللَّهِ تَعَالَى ، فَإِنَّهَا دَاخِلَة فِي مُسَمَّى اسْمِه . فَاللَّهُ تَعَالَى هُوَ الْإِلَه الْمَوْصُوفُ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ ، فَعِلْمُه وَقُدْرَتُه وَحَيَاتُه وَسَمْعُه وَبَصَرُه وَجَمِيعُ صِفَاتِه - دَاخِلٌ فِي مُسَمَّى اسْمِه فَهُوَ سُبْحَانَهُ بِذَاتِه وَصِفَاتِه الْخَالِقُ ، وَمَا سِوَاه مَخْلُوقٌ ، وَمَعْلُومٌ قَطْعًا أَنَّ الرُّوحَ لَيْسَت هِيَ اللَّهَ ، وَلَا صِفَة مِنْ صِفَاتِه ، وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ مَصْنُوعَاتِه . وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى : { هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا } ( 4 ) وَقَوْلُهُ تَعَالَى لِزَكَرِيَّا : { وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا } ( 5 ) . وَالْإِنْسَانُ اسْمٌ لِرُوحِه
هامش
( 1 ) سورة الْإِسْرَاءِ آية 85
( 2 ) سورة الْحِجْرِ آية 29
( 3 ) سورة الزُّمَرِ آية 62
( 4 ) سورة الدَّهْرِ آية 1
( 5 ) سورة مَرْيَمَ آية 9